
جاء في رواية طريفة أن مندوباً من الدول الأجنبية وصل ليناقش حقوق المرأة السياسية وعندما كان يجيب على أسئلة إحدى الصحفيات عدد مفتخراً بأنه أنجب ثلاثين ولداً ذكراً وعندما سألته وكم فتاة أنجبت؟ نظر إليها بدهشة نظرة لا تشير إلى تأكده من عدد البنات في ذريته فقالت له: ألا ترى أن أول خطوة نحو المساواة هي أن تحصي عدد بناتك. وذهب المندوب إلى غرفة الاجتماع وأعطى صوته لاتفاقية حقوق المرأة.
والواقع أن اتفاقية حقوق المرأة السياسية في الجمعية العمومية أشبه ما تكون بتمثيلية من أربعة فصول.
وقع الفصل الأول منذ عامين عندما اجتمع المجلس الاقتصادي الاجتماعي للأمم المتحدة في جنيف وعارض معظم الأعضاء الحاضرين مبدأ عقد اتفاقية للدفاع عن حقوق المرأة السياسية وقالوا إن هذا لن يخدم غرضاً علمياً. والفصل الثاني مثل اجتماع نفس المجلس في السنة التالية ويومها لم تُهاجم فكرة الاتفاقية ولكن غالبية المجلس قررت انتظار ما تراه كل دولة من الأعضاء في هذا السبيل.
وجاء الفصل الثالث واجتمع المجلس الاجتماعي الاقتصادي في مايو ١٩٥٢ وقبل المجتمعون المبدأ الأساسي ووضعوا بذلك صيغة الاتفاقية التي تبدأ بهذه العبارة: «ترغب الأطراف المتعاقدة في تأكيد مبدأ المساواة في الحقوق بين الرجل والمرأة كما هو متضمن في ميثاق الأمم المتحدة» ثم يستمر قائلاً أنه يجب أن يكون للمرأة حق التصويت على قدم المساواة مع الرجل وأن يجوز لها كالرجل أن تنتخب في المجالس البرلمانية وأن يسمح لها بأن تمارس
المهن العامة مثلها في ذلك مثل الرجال.
بقي الفصل الأخير الذي كتبته الجمعية العامة للأمم المتحدة خلال انعقادها في شهر كانون الأول ١٩٥٢ حين عرض عليها مشروع الميثاق الذي يهيء للمرأة المساواة في الحقوق السياسية مع الرجل فوافقت عليه الجمعية بأغلبية ٤٦ صوتاً مقابل لا شيء وامتناع أحد عشر عضواً عن التصويت وسيصبح هذا الميثاق نافذ المفعول خلال ثلاثة أشهر من تاريخ الاجتماع بعد أن تصادق عليه ست دول أي أنها - على ما جاء - ستلزم الدول الموقعة عليه أن تكفل حقوق المرأة السياسية إن لم تكن قد فعلت ثم أنها ستعمل على استمرار احترام هذه الحقوق في البلاد التي أخذت فعلاً بهذا المبدأ.
ولا ندري بالضبط ما سيكون عليه موقف الدول الأحدى عشرة الممتنعة عن التصويت وقد يتذرع مندوبو هذه الدول بأن هذه أمور يجب أن تقرر لبرلمانات الدول المختصة والذي لا شك فيه أن برلمانات هذه الدول ستعيد النظر في موقف دساتيرها من حقوق المرأة. والذي سيحدث أن هذه البرلمانات ستعهد بالأمر إلى لجان الاختصاص وستكون هذه اللجان أمام أحد أمرين إما أن تقرر حقوق المرأة أسوة بباقي الدول الأعضاء في الأمم المتحدة وإما أن تتقدم إلى الأمم المتحدة بمذكرة تحمل في طياتها الاعتذار عن قبول الميثاق لأسباب اجتماعية معينة. والذي يهمنا هنا هو أن نعرف بالضبط الخطوة التي ستتخذها الدول العربية تجاه الميثاق. إن ضغط الهيئات النسوية في البلاد العربية على حكوماتها وإلحاحها في ضرورة المساواة كان من أبرز الحركات الاجتماعية التي تمخض
عنها عام ١٩٥٢ ولقد تكللت جهود المرأة في لبنان بالنجاح فمنحت المادة ٢٣ من المرسوم رقم ستة حق الانتخاب للنساء شريطة أن يكن حاصلات على الشهادة الابتدائية كما أنها فتحت لهن أبواب البرلمان كما أتاحت لهن أن يمثلن في المجالس البلدية أيضاً وقد تقرر تعيين أربع سيدات لأول مرة في لبنان بصفة عضوات في مجلس بيروت البلدي.
ولقد سبقت سوريا لبنان في هذا السبيل فقررت أن تتيح للحاصلات على الشهادة الابتدائية من نسائها أن يكن ناخبات. إن هذا الحق وإن كان يعتبر غير كامل بشكله الحالي إذ هو لا يسمح لها أن ترشح نفسها للانتخاب إلا أنه لفتة طيبة من سوريا لإفساح مجالات الحياة العامة أمام السورية الجديدة وما يؤكد ذلك سماحها للفتيات بدخول الفحص الذي أجرته وزارة الخارجية السورية لتعيين موظفين في السلك الدبلوماسي.
والمتتبع لوقائع الحوادث في مصر يتفاءل في أن حكومة اللواء محمد نجيب صائرة إلى إقرار هذا الحق وإلا فما معنى أن تسمح بتشكيل الأحزاب النسائية هناك تلك الأحزاب التي أعلنت عن برامجها العريضة الوثيقة الصلة بحياة البلاد السياسية والاجتماعية. هذا وفي العراق والأردن حركات مماثلة من جانب النساء ولقد أدلى السيد عبد الرسول الخالصي وزير العدل العراقي في حكومة الركن نور الدين محمود ببيان جاء فيه أن مسألة منح النساء حق الانتخاب هي موضع بحث الآن. نستخلص من ذلك كله أن المرأة في البلدان العربية أو أكثر هذه الأقطار مؤمنة كل الإيمان بحقها وأن أولياء الأمور والمثقفين فيها ميالون إلى الأخذ برأيها لولا بعض الاعتبارات الحساسة التي تجعل بعضهم يلجأون إلى التريث وأخذ الأمور بالتروي. ولا يعني هذا أن طريق المرأة في
