

يقولون اني اختلقت من اللاشيء أشياء . لو كان بامكاني ان اضحك في هذا العالم لقهقهت ملء شدقي : أفليسوا ، هم ايضاً ، مختلقين ؟ لم يرعني مافهمت من النازلين بهذا المكان حديثاً ( عرفتهم جميعاً ولم يكن بينهم لي صديق ) من ان قصة طويلة تحكي عن ماتي - ألم تحكّ عني في حياتي أقاصيص ؟
قالوا ان الصدى تيّمت بي . رأوا حبها ( مثل حبّهم كان ) وانطفت الأعين بيضاء فلم تلحظ اني انا كنت المتيم ( لم اشعل بثقابهم حي ) . أحبتني ، قالوا ، لانهم سمعوها تبوح ، ونفرت ، قالوا . لان العقدة في لساني لم ترتخِ . ليتني استطيع ان أقهقه ، لأوصلت قهقهاتي الى آذانهم الموصودة . هل ابتغوا ان ابوح اليهم هم ، وان احوّم فوق رؤوسهم هم الوشوشات ؟ ساهم صمتي يوم الفم الانسان ، وساهم قدماً ان ترفّ ضخمة العجيزة ولا أزغرد ، وان يعاد للثرى الرحب مفتول الشوارب فلا افعّ الولولات . ساهم ان يروني صامتاً بينهم ، وساهم اكثر ألا بينهم أكون .
عرفوا اني اختلق من اللاشيء اشياء ، فراعهم ألا أخلق من الشيء الكبير شيئاً يسيراً . شكّكوا ، لذا بالكبير .
وحدها لم تشكّك . اولاً لم تشكّك : كانت تكتفي بلقاءاتنا الى جانب الينبوع ، حيث كانت تُعتدلّ لي « غريب انت بيننا ، وحبك غريب غريب » وتزمّ شفتيها الحصبتين ، وتزيد : « ولست اعرف ان كان اشهى ما اردت او اخسّ » . كانت تكتفي بلقاءاتنا الى الينبوع ، وبفلذات كنت أفوه بها ولا اقصد ان أفوه . فترددها بعدي ، وترددها من جديد ، وترفع النداء ، تشدو بها ، ليسمع البعيد والقريب . كنت احبها حين ألمح حبها لي - واحبها لأنها تردد ما اقول .
اولاً لم تشكك . وراحت بعدها تهيب بي ان اقول شيئاً ، ليسمع القوم ما اقول . راحت تطالبني بالنسيب ، تأبى ان ألبس في النبع الجناحين ، ومعها ان اهبض . ولا تنظر في عيني ، لئلا تغض الطرف ، تستسمعني خيانة ألفيتها تتبرعم . لكننا كانت تعاود ما تقول . لم تدرك اني اقول صامتاً احلى ما اقول . وتعبث بصدري : « بعض ليحيا وبعض ليضفي حياة . وهيتك فرفضتها ، واردتها فلم تهب . » تهمس ، ولا احلل ما تقول . وتقرمني الريبة ، وتقرمني اشد اذ ألمح ترديدها فلذاتي يقلّ ، وإياها تتضائل ، وأراها تبتعد عني قليلاً قليلاً ( كانت معي ، كانت لهم ليس لي ) . الى ان اختفت ، وحنّ اليها معي الينبوع .
من حكاياتهم انها سقمت لاني لم أبادها الهوى ، وانها هزلت رويداً رويداً حتى امحى منها القوام . حكاية من حكاياتهم . والا لكنت عثرت عليها في دار الملتقى هذه .
كانت تصل إليّ ، وانا في الارض ، عنها همسات : انها رؤيت قرب موحى تردّد ما فاه به إله ، انها زارت في الأكريبول لما زار الخطيب ، انها رفعت صوتها الباهت بالشتم يوم شتمها خليل معربد . وقالوا إنها شتمتني انا قبل ان تموت ، وإنها أصاخت بالسماء ان تنتقم السماء لها مني ، وانها خصّصت النقمة التي تريد : ان أتذوّق الحب المرير ، ان احب ذاتي .
وددت لو استطيع ان أقهقه : انهم لا يعرفون كيف يختلقون . أكان لها ان تطلب الى السماء ان تنتقم مني كذا ، وهي تدرك اني حين احببتها ( كما كان ينبغي ألاّ احبّ ) احببت معها كائناً آخر - اني احببت معها ذاتي ؟
وقالوا ان لعنتها اورقت سريعاً ، فلزمت الينبوع لا لأن مياهه مستودع السرّ الذي منه كنت انتزع الأضاميم ، وواحد سوانا الذي شهد حبّنا ، وسمع ، وقال ليلة لم اعرف ما اقول - بل لأن مياهه تلك تعكس لي ذاتي التي اضحيت احب ( جهلوا اني انا اعكس للينبوع مياهه ) ، فلزمتها وعبدتها .
عبدت ذاتي كما عبدتُ ، من قبل ، الصدى . لكنني لزمت ذاتي ولم افرّ عنها مختلقاً لها اللعنات . لزمتها ، قالوا ، ولم اجمد
