
لمناسبة احتفال فنزويلا في هذا الشهر بعيد الكرنفال (البرارة) التقليدي، ترفع السيدة نورا نويهض حلواني الى قراء وقارئات «صوت المرأة» هذه القصة الحقيقية، تصف فيها حياة الشعب اللاتيني كما رأتها وعاشتها بهدوئها وصخبها، بحبها وكرهها، بسطحيتها وعمقها.
انها حياة جذابة مليئة بالتناقضات، لكن بهجتها واشراقها تقبلان على كآبتها وكبتها.
«أصبروا، أصبروا بحق السماء، فلا أطيق سماع اغانيكم المرحة الضاحكة هذه، لست سعيداً مثلكم ايها السكارى بخمرة الرقص والغناء. مروا سريعاً، فلربما مر الموت في نفس هذه الطريق بعد قليل ليطرق هذا الباب العتيق، الذي ترجرجه اغانيكم العالية، وتصهر قبضته لحمى مرحكم المعدي بعضكم بعضاً. رباه، اغفر لهم فأنهم لا يعرفون! وانت يا امي، اغفري لي عجزي عن اسكاتهم، انهم كالموج الصاخب الهائج في وجه الفريق المسكين».
وضم «فرناندو» قبضته الصغيرة بحنق وألم، ولم يحاول مسح دموعه المتلاحقة، فيداه لا تزالان تحملان رائحة دهان الاحذية، رائحة العمل الذي يقتات منه، ومناديله ملوثة دمعاً وعرقاً، دمعاً في عيونه المحمرة الباكية، وعرقاً من جبين امه المكتوي بالحمى! واستدار من النافذة وهو يغطي اذنيه بيديه مبعداً عنه صدى الاغاني التي تقطر فرحاً ومرحاً! وغمغم وهو يركع عند سرير امه: ماما، هل يزعجك صخب القوم، انه الكرنفال، لقد لعب بعقول هؤلاء الناس وامتلك شعورهم، فأصبح كل فرد منهم كرنفالاً بذاته». وبانت على شفتي امه شبح ابتسامة واهنة، واجابت: «كلا يا ولدي، انهم لا يزعجونني. والكرنفال دواء ناجع لكل متألم، وهو صديقي الصدوق، اذ كان اول من هنّأني وأطل عليّ بمولدك السعيد، وظل معي ثلاثة ايام كاملة، يسرّ في أذني وفي اذنيك النائتين أنعم مغانيه وأرق اغانيه، وهو الآن يحاول مسح ألمك بيديه الحقيقتين». ولهثت «أدلسيا» ثم بكت وأجهش «فرناندو» بالبكاء وصرخ ملتاعاً: «امي، لا تبكي، اني معك ولن أدعك وحدك!».
وسكن الشارع، إلا من أصداء صخب الموكب الراحل، ثبتت الام نظراتها في وجه وحيدها وقالت: «فرناندو» هناك ما يجب عليّ قوله لك ولو خرج الكلام مع نفسي الاخير. انك لم تعرف اباك ابداً وهو لم يعرفك، لقد أضعته بحمقي فأضعت
عليك حب ابيك ورعايته لك».
- ولكني احبك كثيراً جداً يا امي ولا اريد ان اعرف ابي
- صبراً، صبراً يا ولدي ودعني اروي لك ما اريد روايته. لقد كنت حاملاً بك في الشهور الاولى عندما استيقظت يوماً ووجدت البيت خلوّاً من أبيك. وطال انتظاري لرجوعه وقصر أملي بعودته. وطالت ايام شقائي وانا اعمل لاكسب، وأجدّ لأوفر شيئاً يعينني على تربيتك بعد ان تيقنت ان اباك لم يشذ عن المألوف، فانتقل الى احضان امرأة اخرى اجتذبته بنضارة ودلال! وكنت كلما فكرت في هذا، شعرت بلهب الغيرة يخلق في قوة بعد قوة وجلداً بعد جلد، وحباً غريباً جديداً ينمو في نفسي، حب الانتقام ورد الطعنة الى طاعنها، ولكن عندما حملتك بين يدي لاول مرة قبل اربعة عشر عاماً تماماً، شعرت بحبك الطاهر ينسج حول قلبي المتصلب نقاباً رقيقاً ناعماً شدّ آلامي ودفنها في مكان عميق مظلم من زوايا قلبي وأهال عليها تراب السلوان. ومرّ عام، وفتح الباب يوماً ووقف ابوك على عتبته وعلى فمه ابتسامة عريضة متفائلة وكأنه ينتظر مني ان ارتقي بين ذراعيه واحمد الله على رجوعه! ولكن غيرة المرأة يا «فرناندو» شيء فظيع، يعمي البصيرة ويفقد العقل. انبعثت آلامي من مرقدها دفعة واحدة، تلك الآلام التي دفنها حبك الكبير الصغير وارتعشت من الغضب وانا احدّق في وجهه الباسم المتفائل!! تحركت يدي، وحملت زجاجة دواء لي وقذفتها بكل قواي على رأسه فلم يتحرك من مكانه ولم يحرك ساكناً لازالة الدم الغزير الذي انبثق من جرح في جبهته. تناثرت قطع الزجاج على الارض ثم اصطبغت بحمرة الدماء. ووقف الزمن ما بيننا منقطع النَفَس، ومن خلال غيوم كثيفة سوداء رأيته يضع رأسه بين يديه ووجهه يسكب دمعاً ودماً، ويستدير ببطء شديد نحو الباب ويختفي منه... وظللت انت تصرخ مرتاعاً ساعات طوالاً وبصري معلق في الباب وعيوني جامدة كالحجر. لم اره منذ ذلك الحين يا ولدي، وكم تمنيت ان ألقاه فجأة فأطلب صفحه واسترجع حبه،