واقبل ذلك الجرح الدامي الذي اصبح ولا شك اليوم ندبة بيضاء طويلة ، تفتح له وجهه وتسود ذكراي عنده . فاذا وقفت يوماً ما امام رجل طويل القامة عريضها ذي وجه اسمر ضاحك وندبة طويلة بيضاء فالق بذراعيك حول عنقه وقل له : « ألست دامون كورتيسو جه قبلني يا أبي اني فرناندو ، ولدك » هذا طلبي اليك وانا على شفا الهاوية وآخر الطريق . عدني بانك ستفعل ذلك . عدني » .
- أعدك بأن افعل ذلك يا اماه ، اعدك . سأخبره عن كل شيء . فهل انت راضية ؟
- نعم نعم ، سيهدأ قبري حتماً عندما تزوراني سوياً . وهناك شيء آخر اريدك ان ترتدي بدلة الكرنفال اللامعة تلك ، غداً مساء ، وتظل ترقص وتضحك وتغني مع روزيتا الجميلة ، فأنت لا تملك سوى ايامك وكنز سعادتها . هل تعدني بهذا ايضاً ؟
- نعم ، اعدك بهذا ايضاً ولو وخزتني اشواك الالم كلها ، فلن ابكي . قبليني يا امي ! اغمض عينيه وتلقى القبلة الاخيرة وجفونه تهتز وتبتل . ثم رفع اليد المعروفة الباردة الى شفتيه . خف علو صدر المحتضرة وهبوطه وانتظم تنفسها . وفي منتصف الليل انقطع فجأة وبهدوء . وسكن صدرها سكتته الاخيرة ورأس « فرناندو » المتعب ملقى عليه في نومة قلقة .
عاد « فرناندو » من المقبرة متعبا منهوكا ، ودخل البيت المظلم المهمل ، فوجد « ماريا » صديقة امه وجارتها تنظف الغرفتين وتنفض اغطية السرير القذرة المهلهلة . وحالما رآته ضمته الى صدرها ضمة خفيفة وقالت بحنان : « لن ادعك وحدك يا « فرناندو » وسأكون امك الثانية ولو عن بُعد . تعال كل شيئاً من
الطعام الطيب الذي احضرته لك . وقادته الى المائدة المتداعية الوحيدة ، فجلس بهدوء وابتدأ بأكل وهو يرمق النافذة وكأنه يستمد من قوة الشمس املاً وتفاؤلاً ، وسمع من بعيد اصواتا تقترب ثم صوتا قريباً جداً ينادي : « فرناندو ، افتح الباب » لم يتحرك وبقي نظره عالق بالصحن . ففتحت ماريا الباب واندفعت منه الصديقة الجميلة « روزيتا » راكضة وركعت امام اليتيم وهمست بحرارة : « فرناندو ، صديقي ، لقد سمعت النبأ المؤلم وجئت لآخذك معي الى الكرنفال فلن اذكك وحدك باكياً والدنيا في رقص وطرب » . ولفت ذراعيها حول عنقه وقبلت جبينه . وكأنما فتحت تلك القبلة له مزاريب آلامه ، فبكى على صدرها وعلا شهيقه . وانتظرت الصغيرة حتى سكب ما سكب من ماء عينيه واتت بخرقة مبللة ومسحت له جبينه . ثم انزلت بذلة الكرنفال البراقة الزرقاء من مكانها على الحائط ، وألبسته اياها مع قناع اخرجته من جيبها وقنعت عينيها الحلوتين بقناع آخر . وسحبت حبيبها الصغير الذي كان يطاوعها في كل حركة وخرجت به من البيت بعد ان ألقت نظرة خاصة على « ماريا » التي وقفت تنظر الى ما يجري بلوعة واسى !
غاب الاثنان بين الجموع كما تغيب قطرات المطر بين امواج البحر واختلطا مع الراقصين العابثين وعاد فرناندو طفلاً مرحاً ضاحكاً يرمي بالملبس والفستق على رؤوس الناس وصوته يعلو على اصوات الجميع في اغنية « سالوما » التي كانت تخرج من مئات الافواه وكأنما تغنى من حلق واحد :
فقلبي طروب وفكري خلي
فحي بقلبي وقلبي بوجهي وقلبك لي
تعالي فثوبي كثوب أمير
وضمي وشاحك كي لا يطير
وارخي قناعك هاتي ذراعك قلبي غيور
سالوما سالوما الا ترقصين ؟
اجتذبت حلقة صغيرة انظار فرناندو وروزيتا ، حلقة لاعبة صاخبة مكونة من عشرين ولداً ورجلين . اندمجا بها واصطفا مع اللاعبين وركضا مع الراكضين حتى وصلا الى النطاق الذي ضربه الرجلان بذراعيهما ، فأخذا بضربات على ايدي السيدين ليتحررا كما تقتضي اللعبة ، ورفع فرناندو انظاره الى احد الرجلين مستجيراً وخيل اليه انه يسمع صوتا بعيداً حبيباً يعلو على ضجيج العيد ويقول : « فاذا وقفت يوماً ما امام رجل طويل القامة عريضها ذي وجه اسمر ضاحك وندبة .. » وحركته قوة قوية ، فرفع يده وجسمه بسرعة ، وازاح القناع عن الوجه الغريب الاسمر ، ورأى ما كان يود ان يراه ! ندبة طويلة بيضاء تلتمع مع قطرات العرق على وجه الرجل ! ووقف وكأنما سمره هول الموقف الى الارض . وسمع الصوت الحبيب يقول مرة اخرى : فالق بذراعيك حول عنقه ... » فرفع ذراعيه المرتجفتين ولفها حول عنق ابيه وقال بصوت مهتز حزين : « ألست دامون كورتيسو ؟ اني فرناندو ولدك » وثبت دامون المذهول نظره في الوجه الاسمر المتضرع وتحسس الشعر الاسود الغزير ثم صرخ صرخة ألم وفرح وضم اليه الجسم النحيل بقوة وشدة وغمغم وهو يقبل ولده لاول مرة : « ولدي ، وحيدي حبيبي ! » .
وكأنما جذبتها قوة خفية ، فانسحبت من الحلقة التي ران عليها الصمت لحظات قصيرة ، استأنفت بعدها لهوها ومرحها ، وفي زاوية هادئة بعض الشيء سأل دامون
