ثم يُبدي الشاعر في قصيدته (نساؤنا) شكواه بكل جوارحه لعيشة النساء في المنازل وانفصالهن عن المشاركة في حقول العمل وميادين المؤازرة مع الرجال، وشكواه من القوم الغارقين في الجهل الذين لا يميزون بين الحق والباطل، الواقع والخيال والذين يحسبون تشديد الحجاب من الشريعة واليها، واذا كان الحجاب وتحييده من الشرع فهل ينبغي ان تعدم الحمامة وتسكت في الأفنان عن الاسترسال في التغريد والسجع. حيث يقول:
رمى الدهر منها هضبة المجد بالصدع
تعيش بجهل وانفصالٍ عن الجمع
يعدّون تشديد الحجاب من الشرع
واسكاتها فوق الغصون عن السجع؟
ثم يقول وما اصدقه من قول صائب
شرع النبي محمد من دين
أيكون ما شرع النبي محمدُ
شيئاً يخالف شرعة التمدين؟
والرصافي بعده يظهر تشاؤمه في قصيدته - حرية الزواج عندنا - من الأوضاع التي هي آخذة بخناق الشرق والتي تثير في اوصاله روح التقهقر والألم ذلك ان الناس الذين يغريهم بريق الذهب الخاطف وتجرفهم لذة المال الزائل يكرهون الفتيات على الزواج من الشيوخ المطعونين في السن، والمتقوّسي
الظهور طمعا بالثروة الطائلة والدراهم الوافرة، ويعتقد الشاعر - واعتقاده معقول - أن فؤاد الفتاة أثمن من ان يُشترى بالمال وانما يمكن اختياره بالمحبة الصادقة التي تربط قلبين بحبلها الوثيق ربطاً محكماً، بحيث انه اذا جرى الزواج بغير هذه المحبة الخالدة والتعارف الذي له مزاياه الحسنة كان امراً متعباً وعلينا ان نخشاه لنتائجه الوخيمة .. الأليمة.
اذا اكرهوك على الزواج بأشيبا
بفضول هاتيك المطامع اشعبا
بالمال لكن بالمحبة يجتبى
بسوى المحبة كان شيئاً متعبا
وتحبّبٍ فالخير ان نترهّبا
والرصافي يتعجب كلما يتفكر في امر الشرق المتقهقر وقومه الذين يستحقون الرثاء واللوم والذين اسرفوا في الحط من قيمة المرأة وسلب حقوقها والنظر اليها نظرة «شهوانية عاصفة» .. عارمة .. قحّة .. حيث يقول:
كان لزاماً لا يجوز مبيعها
وان كان البيت هذا يحمل بين طواياه معاني اخرى.!؟ ذلك ان القوم في الشرق يزعمون - وزعمهم باطل - ان كل تجديد ومدنية وانعتاق من السخافات ضمن المثل العليا والدين الحنيف رذيلة وعار وشنار دون ان يعلموا ما يجري تحت العباءة ودون ان يعرفوا ان
حياتهم لا ترتقي ولا تسمو الا بتربية البنات تربية مثمرة تضمن التوفيق وتقرّب النساء من الرجال تقرباً يكفل للكل السعادة والرفاهية. اذ يقول:
زدت افتكاراً فيه زدت تعجبا
أفتعلمون بما جرى تحت العبا
تعلو اذا ربّى البنات وهذّبا
أدنى النساء من الرجال وقرّبا
هذه اقوال المرحوم معروف الرصافي التي تظهر لنا حقيقة المرأة في المجتمع وفي الشرق الهالك المذعن لما يؤخره ويجعله خيراً في كان اظهاراً لا يتسرّب اليه ادنى ريب. ولا يحسبن المتفقهون ذوو الاذواق السقيمة والنظرات القصيرة والعقول الرجعية ان الشاعر الحر يهذي ويهيم في وادي الخيال المجنح ولو عدّ من الشعراء لان هناك كثيراً من الشعراء يُصوّرون المآسي الانسانية واوضاعها المتعددة تصويراً واقعياً بديعاً يذيع الاسى والحسرة في النفوس، والرصافي من هؤلاء العظماء حيث يقول:
وإنْ كنتُ معدوماً من الشعراء

