
ان الافكار والعواطف والافعال تنتقل من شخص الى آخر بواسطة التقليد وكل فكرة تلاقي عند انتشارها لاول مرة مقاومة ، فاذا كثر مريدوها اخذ الناس يقلدونها عن حاجة وصارت تلك الفكرة عادة مألوفة لا بل طبيعة ثانية . والتقليد هو غريزة نفسية واجتماعية معاً ، لانه يعين على انتقال الصفات من شخص الى شخص ومن جماعة الى جماعة . حتى لقد يكون تقليد الجماعات ادعى الى الاهتمام من تقليد الافراد كأن هنالك وتراً واحداً مشتركاً بين جميع الناس فاذا قرع الوتر في شخص سرى اهتزازه الى الاخرين .
واذا شئت ان تعرف قوة التقليد وعمله في حياة الانسان فانظر الى الطفل ، ان للتقليد اثراً عظيماً في اكتساب الطفل لكثير من الافعال والصفات . مثل الكلام والحركات والاخلاق . فالطفل يقلد امه بالغريزة فيبتسم لها ويحزن لحزنها حتى لقد تجد القسم العظيم من ألعابه مقتبساً من تقليده لوالديه . تقلد الطفلة امها فتضع لعبتها في السرير وتغني لها وتغذيها وتنزع عنها ثيابها ، ويقلد الطفل اباه فيلعب لعبة الاب ويتوهم انه والد ويرضى اخوته ورفاقه ان يكونوا اولاداً له . ان قوة التقليد عظيمة عند الطفل . والسبب في ذلك ضعفه وجهله وميله الى التأثير وعدم نمو شخصيته حتى لقد نجد عنده عطفاً على الآخرين فيقلدهم لانه يحبهم وينقل عنهم لانه يجد فيهم ما يرفعه ، فيفرض نفسه
بائعاً ، او جندياً او زائراً ، او فارساً او حوذياً ، او سيارة او قطاراً ، فيقلد هذه الافعال والحركات كأنما يبغي بذلك ان يتهيأ للحياة الاجتماعية .
ان اعتقادنا بكمال الآخرين يدعونا الى ارادة ما يريدون فتميل الى السير على منوالهم وتقليد افعالهم وافكارهم واقوالهم واذواقهم . فالتقليد يربط المقلِّد بالمقلَّد ويدعو الى اشتراكهما في الصفات واتحادهما في الميول . يقلد الافراد بعضهم بعضاً فيتشابهون في الاقوال ويتجانسون في الافعال . لأن التقليد واسطة تقريب وتوحيد ودليل على الاعجاب والتقدير .
أوليس عندنا اليوم آداب خاصة في السلام والمقابلة والمجالسة ، والزيارة والعبادة ؟ . فأذا ذهب احدنا الى حفلة راقصة او الى احتفال رسمي لبس رداءاً خاصاً . حتى لقد جعلت المدينة الحديثة آدابا خاصة للمجالس بحسب انواعها وألبسة للرجال والنساء متناسبة مع الفصول والاوقات . والسبب في ذلك ان لكل وضع اجتماعي نمطاً خاصاً به . فاللغة والدين والسياسة والحقوق والحروب والفنون الجميلة من بناء وموسيقى وتصوير وشعر وأدب كل ذلك انماط متسلسلة الاجزاء متناسبة العناصر . ولكن زمان لغة وموسيقى وآداب خاصة متفقة مع شروط البيئة الاجتماعية . فلا يحتاج الانسان للائتلاف مع امثاله اكثر من تقليده لهم . ولا يعدو تقليده بعض المسائل العامة حتى يصبح مشابهاً لغيره في الظاهر والباطن .

