مع الأستاذ فؤاد صروف
نائب رئيس الجامعة الأميركية للشؤون العامة وفي طليعة قادة الفكر العربي.
كان رئيس هيئة تحرير «المقتطف» يوم كانت المقتطف في قمة الصحافة
العربية. لمؤلفاته العديدة طابع علمي رصين واسلوب شيق.
★
س - ما رأيكم بمصير النشء اللبناني الطالع، تتجاذبه تيارات فكرية متعددة ؟ ماذا تقترحون من وسائل عملية للتقريب بين وجهات النظر التي تخلقها هذه التيارات ؟
ج - لست اخشى التيارات الفكرية المتعددة ، ما دام الذين يفكرون قد حُصّنوا بقواعد التفكير السليم ، وبالامانه الفكرية. والتيارات الفكرية المتعددة ، نتيجة حتمية لاطلاق حرية الفكر، وحرية الرأي ، والذي ينبغي ان تخشاه هو الجهل ، الذي يجعل العقل عرضة للاهواء دون المنطق ، والحجر على الفكر فيصبح الناس اشبه بأفراد القطيع ، والزنا الفكري الذي يزين الامور على غير حقيقتها ، ويخلص من عرضها على وجه مشوه الى نتائج غير مستقيمة .
ولست اعرف وسيلة تنشئ الشباب على الاخذ بالافضل من الرأي ، وبالانفع من العمل
سوى التربية التي يجري فيها تثقيف العقل وتهذيب النفس في عنان واحد. والعقل المثقف ينطلق باحثاً عن الحقيقة لا يثقله قيد سوى قيد الشوق اليها ، وقيد الاصول التي استصفاها المفكرون والفلاسفة والعلماء على كر الدهور لاستكشاف الحقيقة والاطمئنان اليها . والنفس المهذبة تستهدف الخير ، ورياضتها كرياضة الذهن ، عمل لا ينتهي ما دامت الحياة ، واقترانها في عالم موصول الاواصر شيء تقتضيه هذه القدرة الهائلة التي وضعها العلم في ايدي ابنائه ، فان احسنوا الانتفاع بها ، فخير عميم ، وان اساؤوا استعمالها فدمار وهلاك . وهذا هو الجهاد الاكبر ، مفرغاً في قالب عالمنا الحديث ، ولست اعرف طريقاً مختصراً او مهداً يفضي اليه .
س - ما هي المتطلبات الرئيسية للصحفي الناجح ؟ وكيف السبيل الى الحصول عليها ؟
ج - من هو الصحفي الناجح ؟ ينبغي ان نعرفه قبل ان نفحص

عن مقوماته . فاذا كان الصحفي الناجح هو الذي يخرج صحيفة واسعة الانتشار ، بغير نظر الى الوسائل التي يتوصل بها لادراك الانتشار الواسع ، فليس عندي رد على السؤال . واذا كان الصحفي الناجح ، هو الرجل الذي يقدم لقرائه كل صباح او كل مساء ، صورة مصغرة للعالم ، يجمعها من مصادر الانباء المختلفة ، ويبرز منها ما هو في حكمه ، حري بالابراز ، وينفي منها النوافل او يؤخرها او يختصرها ، ويضيف الى ذلك رأياً قائماً على العلم الواسع والتقدير السليم ، في امهات المشكلات ، ويسوق ذلك كله في ترتيب يسر العين ، فيجعل حسن الانتشار اساساً لحرية الرأي ، فعندي ان مقوماته في المنزلة الاولى ، هي الصدق والدقة في رواية الاخبار ، والامانة في ابداء الرأي ، واستهداف الخير العام . ولكن الصحفي الناجح ، هو صاحب صناعة علاوة على كونه معلماً او مرشداً عاماً ، واسرار صناعته
هي الحذق في تسقط الاخبار ، وصحة الحكم في قيمتها وتقديم ما ينبغي تقديمه منها ، وتأخير ما ينبغي تأخيره ، وسياقه في اسلوب صحيح ميسر وفي صورة تستوقف القارى . واكثر هذه المقومات تدرك بالدراسة والتجربة ، وكليات الصحافة كفيلة بتدريب الطلاب عليها . وقد يقال ان الصحفي «يولد» ولا «يصنع» وليس ثمة ريب في ان فريقاً من اكبر
الصحفيين كانوا صحفيين مطبوعين عصاميين ، ولكن الدراسة في كليات الصحافة والتدرب على فنونها ووسائلها يمهد طريق النجاح ، لاكثر الطلاب ويذلل صعاباً لا تحصى ، وبخاصة لان الصحافة الحديثة ليست اخباراً ومقالات وحسب ، بل هي ايضاً طباعة وورق وصور وادارة وبيع واشتراكات واعلانات وترويج ، وهذه جميعاً شؤون لا «يولد» الصحفي مطبوعاً عليها بل ينبغي ان يدرسها ويتدرب عليها ويحذق اساليبها .
س - هل وصلت الصحافة اللبنانية الى مستوى راق ؟ وهل تعتقدون ان وفرة الجرائد اليومية في بلد صغير كلبنان ، يضاعف الفائدة او يقلل من اهمية الجرائد المعتبرة بينها ؟
ج - ما هو المستوى الراقي ؟ أهو عدد ما يباع من الصحيفة ؟ أهو عدد صفحاتها ؟ أم كثرة صورها ؟ أم اناقة طبعها واخراجها ؟ أم مبلغ نفوذها السياسي والاجتماعي ام مدى استقلالها في الرأي ؟ اذا تفضلت بالاجابة عن هذه الاسئلة فقد تنتهي الى ميزان نزن به