تجمعوا وانطلقوا منحدرين هازجين ... ان الشباب لايعرف للاحتراس معنى ... فلا نصح صاحب الفندق ولا ارشادات من كانوا في الفندق استطاعت ان تثنيهم عن عزمهم ... فعويل الرياح الهوجاء وتساقط الثلوج المتكاثف دقيقة بعد دقيقة لم يكن الا ليثير فيهم رغبة الاندفاع وراء المغامرة .. انهم يعرفون هذه الجبال وزواياها ومنحدراتها وقد ألفوها لكثرة ما تزلجوا عليها ، فلا سبيل لان يقلقوا من هذه العاصفة الصاخبة حقاً ولا ان يخافوا شرود احدهم ، فكل هذه المنعطفات والمرتفعات تكسوها الثلوج بوشاح ابيض وكأنه يبدو فضفاضاً ، وهذه الاشجار ، اشجار الارز ممتدة اغصانها لتلقى ما يستقر عليها من رضاب الثلج ، ان كل هذا الذي تطوف عليه ابصارهم من وراء نظاراتهم القاتمة قد رادوه مراراً بحيث لم يكن حتى لظلام الليل الدامس ان يجعلهم يتيهون في ارجائه وان يضلوا طريق العودة الى الفندق ، فكيف بهم وهم مازالوا في منتصف النهار وذاهبين لنزهة قصيرة ؟
وكان من أشد المتحمسين للاندفاع في المغامرة وتحدي العاصفة جورج ـ هذا الفتى الشاب الذي يفور في نفسه حب غني عنيف كغنى فتوته النضرة وعنف شبابه المتوقد ... انه يحب سلوى كثيراً وهو يود في كل مناسبة ان يظهر لها كفاءاته وجرأته وشجاعته ، لا سيما متى كان منافسه شارل الفتى الثري صاحب السيارة «كدلك» والمباني الفخمة التي يملكها ابوه ، لا سيما متى كان منافسه هذا حاضراً .. فجورج الذي لا يملك ثروة ضخمة مثل التي يملكها شارل يجب ان يستعيض عما يتفوق عليه به من ثراء بما حبته اياه الطبيعة من شباب متوقد وعافية متدفقة ورجولة تتكامل ...
وألطف ما في هؤلاء الثلاثة من سذاجة الشباب المقبل على الحياة بكل ما في نفسه من غنى العاطفة وصدق السريرة ، ان ألطف ما في هؤلاء من سذاجة محببة الى النفس انهم يظنون جادين ان الشعور الذي تختلج به افئدتهم الصغيرة انما هو ما سيقرر مصيرهم في الحياة ، فجورج يظن ان سلوى هي الرفيقة التي قرر ان يختار فيخاف منافسة شارل ، وشارل يظن ان سلوى هي الخطيبة التي سيعلن لوالديه بعد ان ينهي دروسه ، بعد اربع
او خمس سنوات ، انه قرر ان يطلب يدها فترصد لجورج ... وترى سلوى ، هذه الصبية الحلوة الماجنة ان في حياتها مأساة معقدة اذ انها تحب جورج ولكنها لا تريد الاساءة الى شعور شارل ، وهكذا تظهر احياناً على هذه الجباه الحبيبة الفتية النضرة خطوط مبعثها هذا الارتباك في تعقد شؤون القلب في حياة اصحابها ... ما اظرف ما في هذه القلوب الصغيرة الحلوة من اوهام حول الحياة ومن صدق في العاطفة ...
تجمع الصحب وحرص جورج على ان يأخذ يد سلوى ، فقفز شارل الى الجهة الاخرى واخذ يدها الثانية وتماسك الجميع بايدي بعضهم البعض ، رشدي وخليل ولور وايفون وشارل وسلوى وجورج ، وانطلقوا منحدرين هازجين فرحين ثم افلتوا ايدي بعض من بعض وراحوا يتسابقون في الانحدار ويتفننون في التزلج الايقاعي والمرور بين اشجار الارز والالتفاف حول التلة المشرفة على الوادي قبل ان ينطلقوا نزولاً اليها .
غير ان جورج كان أسبق الجميع الى الانطلاق نحو الوادي ، وما ان ادارت سلوى رأسها في جهته بعد ان انتهت من شد «السير» حول زلاجتها حتى رأته يغيب في اسفل الوادي فانطلقت وراءه بحركة عفوية وتبعها شارل على الفور .
اما العاصفة فكانت على اشتداد مخيف وقد غمر الجبال والوادي والمنحدرات ضباب زاده غبار الثلوج تنثره الرياح الهوجاء في جميع الاتجاهات اذى وحراجة للحالة ... فقرر الصحب العودة الى الفندق قبل ان تزداد الحالة خطراً . واذ تجمعوا تبين لهم ان سلوى وجورج وشارل ليسوا معهم ، فبادر رشيد الى ارسال الصيحات في اتجاه الوادي منادياً اياهم وهو ذا صوت قوي استطاع ان ينفذ من خلال عويل الرياح المتصاخب وانصت الجميع قاطعين انفاسهم علّهم يتبينون جواباً على نداءات رشيد ، واذا بالابتسامة تشيع على وجوههم وقد سمعوا صفارة جورج ، فقالت لور بشيء من الخبث : جورج وشارل وسلوى ، لا علينا منهم ، سيتدبرون امرهم ويلحقون بنا ، فضحك الجميع مطمئنين وقفلوا راجعين ..

