واما سلوى فلم تكن قد أوثقت جيداً السير حول زلاجتها، فما ان اندفعت نحو الوادي حتى افلتت الزلاجة من رجلها فقفزت بقوة الاندفاع مرتفعة عن الارض وارسلت صرخة مذعورة هوت بعدها على الثلج تتلقاه بوجهها. فانتفض جورج لهذه الصرخة وارسل صيحة بملء صوته: سلوى.. واندفع الى جهة الصوت والرياح تلعب به وتغالبه ولكنه لم يهتد الى مكان سلوى ولم يكن لأحد ان يتبين شيئاً في غمرة هذا الضباب الكثيف وهذا الغبار الثلجي يتناثر في الهواء... فأخذ يدور في مكانه محترساً الا تدفع به الرياح الهائجة الى حيث يبعد عن سلوى فيضيعها.
واخذت العاصفة تتلاعب بهذا الفتى تهيج في نفسه عاصفة اخرى اشد من هواجس رهيبة على فتاة يحبها فيتخيلها ملقاة على الارض تنزف دماؤها او يصيبها اغماء اذ لا بد ان شيئاً من هذا حدث لها والا لما ارسلت هذه الصرخة، فنزع زلاجته من رجليه وراح يندفع يمنة وشمالاً يسد خياشيمه هذا الغبار الثلجي ما ينفك يتطاير امام ريح منفلتة هائجة بحيث اصبح كالطائر الشريد في مهبها.
لم يكن جورج ليستطيع ان يقدر الوقت الذي امضاه على هذه الحال... الا انه أحس بقشعريرة سرت في جسمه ساعة لاحظ ان الظلمة بدأت تدب الى قلب الوادي وتغشى المرتفعات وهو لم يوفق بعد الى الوصول الى مكان سلوى.. فهل سيكون متسع من الوقت لانقاذها والعودة قبل ان يتكامل ظلام الليل؟.. فعاد الى محاولاته المحمومة ولكن دون جدوى... وفجأة أحس انه وحيد في هذه الظلمة تغمره من كل جانب وهل يستطيع بشر ان يحس نفسه وحيداً بين اشداق الليل الفاغرة تنفلت عليه عناصر الطبيعة الهائجة لا يؤنسه اي وجود بشري؟ ادار وجهه في كل جهة فلم يجد سوى الظلمة
الدامسة والعاصفة الهائجة. فتسمر في مكانه لحظة لاهثاً تكاد انفاسه ان تنقطع وان يجف الرضاب في فمه ثم ارسل صرخة رهيبة وانطلق هارباً من الليل في قلب الليل الدامس.
هل يستطيع ان يذكر او ان يعي كم مرة عثرت قدمه وكم مرة نهض يستأنف ركضه؟ كلا، انه لا يستطيع ان يذكر ذلك. غير انه يبدو ان العياء الجسدي قد هدّ أعصابه بعض الشيء... فوقف لحظة يتبصر في هذه الوضعية الخطيرة وفطن لقنينة الكونياك الصغيرة التي في جيبه فأخذ منها جرعتين واعادها باحتراس الى مكانها، انها الامل الوحيد باعادة الحرارة الى جسم سلوى ساعة يجدها، اذ انه سيجدها وهي لا بد منطرحة في جهة ما من هنا.
ادرك جورج بوضوح انها في خطر اكيد وانه على سلوكه ورباطة جأشه قد يتوقف خلاصها.. فانقضت فيه رجولته الفذة ووضحت له مسؤوليته حيال انقاذ سلوى من مخالب الموت الاكيد اذ لا يمكن ان تمضي الليل في هذا الوادي لا سيما اذا كانت لا تستطيع الحركة... فقرر ان يعود ادراجه الى الوراء وان لا يبعد في محاولاته الى امام او وراء وان يظل يروح ويجيء في هذه الدائرة مواصلاً مناداته علّه يعثر عليها فهو على شبه يقين من انه قريب من المكان الذي ارسلت منه صيحتها وانها لم تستطع ان تترك ذلك المكان.
بدأ جورج محاولته ولم يعد للذعر ان يستحوذ عليه كما حدث له منذ لحظات، فإن الانسان ليجد من نفسه ما يؤنسه ساعة تقوى هذه النفس فتكون جديرة بان تتحمل المسؤوليات والمهام الصعاب، وجورج يحس الآن بانه يحمل مسؤولية انقاذ سلوى من الموت الاكيد فاستغرق بكليته في القيام بهذه المهمة... وراح يذرع الارض جيئة وايابا مواصلاً مناداته حتى لكاد اليأس ان يدب الى نفسه من جديد. اذا به يحس بان قدمه داست شيئاً طرئاً وخيل اليه انه سمع زفرة... فوقف مبهوتاً لا يود ان يكون ضحية اوهامه وعاد وداس هذا الشيء ثانية ولكن بقوة فكان ان سمع هذه المرة انة واضحة فارتمى على هذا الشيء واخذه بيده فاذا به يمس يداً مثلجة فصرخ سعيداً مذعوراً: سلوى!!.. سلوى!!.. فتكررت الانّات وبحركة جنونية انتزع قنينة الكونياك من جيبه وراح يتلمس فم سلوى وجرعها بعض الجرعات وهزها هزاً عنيفاً وكرر مناداتها الى ان افاقت واجابته. فسرت السعادة والطمأنينة الى نفسه وبادر حالاً الى سؤالها عما اذا كان مصباحها الكهربائي معها لانه اضاع مصباحه. فأجابته بالايجاب وبدأت تحاول بعباء ان تخرجه من جيب سترتها الصوفية ولكنها لم تكن لتستطيع الحراك، فعمد هو الى التفتيش عنه. وبينما يده تتنبه على قسمات السترة الصوفية مرت على موضع رطب لين الملمس دفيئه، فسرت في جسمه رعشة حلوة

