من المعروف ان ويلات الحرب العالمية الاولى كانت قد نبهت الاذهان الى وجوب العناية بالطبقات التي تتكون منها القوة الاقتصادية في وقت السلم والقوة المسلحة في وقت الحرب لانها تتحمل فعلاً المقدار الاكثر من التضحيات والنكبات ... فما انقضت تلك الحرب حتى التفتت الدول الاوروبية والاميركية الى هذه الطبقات واخذت ترعى امورها وتجند الامكانيات المتوفرة لمحاربة آفات العجز البدني والفكري والعوز والشعور بالنقص وعيشة التطفل مستفيدة من كل نظرية او رأي او تجربة ومستعينة بقابليات الاشخاص والكتل العاملة في هذا الميدان . وغدا الموضوع الشغل الشاغل للدول بعد ان كان محل عناية الافراد من المصلحين ومحبّي الانسانية والخير فقط .
ثم تطورت الامور وجاءت الحرب العالمية الثانية فكانت اشبه بموجة عاتية دفعت المشتغلين في هذا الحقل للسير بهمة وسرعة بعد الذي رأوه من تأثير تلك الخدمات في انقاذ حياة الكثيرين والتخفيف من صدمة الملايين والقضاء على فوضى المجتمعات .
وهكذا غدا انتشار الخدمات الاجتماعية خير عنوان لتقدم الشعوب وتفوقها واحسن اعلان عن عمل الحاكمين وتفانيهم وحسن استعدادهم ... وكلما كانت الفروق بين الطبقات واضحة ومتسعة وكلما وجدت هناك فئة متنعمة بمالها ونفوذها على حساب فئة اخرى تشقى بجهلها وتتضور من جوعها وتئن من
تعبها ومرضها كلما وجدنا ذلك الشعب على قائمة الشعوب المتأخرة اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً .
ولما كنت اعتقد ان الخدمات الاجتماعية تقع على عاتق المرأة قبل الرجل لاسيما في بلادنا الشرقية اننا نجد المرأة من وقتها متسعاً ومن ايامها فراغاً اكثر مما تجده اختها في الغرب ، اتحول الى هذه الناحية من الموضوع فاقول :
جميل جداً ان نسمع ونقرأ عن نسائنا اللواتي شعرن بواجبهن نحو المجتمع . وجميل جداً ان نجد بعضهن ينزلق الى ميدان الخدمة كمحاولة منهن لسد الفراغ فيؤسسنا او ينتسبن الى الاتحاد النسائي وحماية الاطفال والهلال الاحمر في العراق . والاتحاد النسائي والهلال الاحمر ومبرة محمد علي في مصر . والهلال الاحمر ومبرة الاميرة بسمة والاتحاد النسائي في الاردن . وحماية الطفل والاتحاد النسائي ونقطة الحليب في سوريا .. وجامعة نساء لبنان والاتحاد النسائي وتهذيب الفتاة والعناية بالطفل والمواساة وسيدات البر في لبنان وغيرها من الجمعيات والمؤسسات الكثيرة والمتعددة .. جميل ذلك كله واجمل منه تلك المبادئ التي ضمتها العناوين والاسماء واحتوتها الانظمة والبرامج ولكن تفضلي معي نبحث عن مدى النجاح العملي الذي حصلت عليه تلك الجمعيات وعن الاهداف التي حققتها .
لا انكر ان نطاق الخدمات الاجتماعية في البلدان العربية بتوسع مستمر ومن مظاهر ذلك التوسع المستشفيات والمستوصفات والملاجئ ومثل هذا
لبدل بوضوح على الحس الانساني الذي يعتمل في قلب المرأة ورغبتها بالعمل .. كما لا انكر ان هناك كثيرات قد اقدمن على العمل برغبة وحماس ومنهن من ضحين باوقاتهن وراحتهن من اجل ذلك . الا ان هذا الاعتراف لا يمنعني من النظر الى الموضوع من زاويته العملية . وكل واحدة غيري ترغب ان تنظر معي من هذه الزاوية تجد ان اغلب اللواتي عملن في هذا الحقل حتى الآن قد قمن بذلك على اساس الهواية والارتجال وعلى ان مجرد العاطفة الانسانية وحب الخير مع فتح اليد بالتبرعات المادية يكفي لسد الحاجة . اما الدراسات العلمية والتطوع الفعلي والتنسيق الفني وتحمل المسؤولية والاستعانة بالمتخصصات والعناصر الاكثر حيوية فلم تخطر بالبال او خطرت ولكنها اعتبرت ثانوية .
ان الخدمات الاجتماعية يا قارئاتي كالوطنية ليست ترفاً ووجاهة وثروة بل واجباً وفرضاً ومسؤولية .. انها ليست سبيلاً للدعاية وقتل الوقت وطلب الرياسات وعرض الازياء بل عملاً صامتاً وكفاحاً مستمراً فيه تضحية وفداء كما فيه قناعة وراحة ضمير .. انها ليست مجرد تشكيل الوفود والصرف على الاسفار وحضور المؤتمرات والظهور في الجرائد والمجلات بل انتاجاً وتخفيفاً من آلام الافراد ومصائب العائلات .. انها ليست احتكاراً على طبقة معينة او وقفاً على نساء الخاصة لثروتهن او لاتصالهن بالحاكمين باحدى صلات القرابة بل هي خدمة وعمل مشاع .. انها ليست لتحويل المراكز الى اجتماعات واقامة الحفلات والاستقبالات والتوديعات بل هي مرافقة المتشردين ونفع المنحرفين واعاشة المعوزين ومعالجتهم وتعليمهم وارشادهم .
انا لا اميل الى التشاؤم ولا ارغب في تثبيط الهمم او انتقاد شخص معين او جمعية بالذات بل ارى اننا نسير على
