هي بيوت جميلة شامخة البنيان في اكثرها ، ثابتة الاركان كلها ، لا خوف على سقوفها المطلية بجميل الالوان من السقوط ولا خوف على جدرانها الموشاة برائع النقوش والصور من الانهيار . انها منتشرة هنا وهناك وفي كل ناحية من نواحي البلاد .
اذا مررت بها لفتت انظارك جنائنها الغناء تعطر ازهارها جو الحي ، وتزيده رونقاً وبهجة . امام مداخلها سيارات انيقة فخمة هي احدث ما انتجه الغرب واجله في هذا الباب .
واذا ما دخلتها طالعتك حالاً مظاهر الترف واستوقفتك دلائل النعمة وسمات الثروة الطائلة وملأت اذنيك انغام موسيقية صاخبة مرتفعة في بهو كبير حيث احتشد اناس يهزجون ويتراقصون وعلى وجوههم علامات البشر ومن اردانهم يفوح عبير السعادة .
وتتلفت يمنة فترى الردهة الكبيرة ذات الرياش الثمينة وقد امتد فيها المقصف الفاخر الذي عمر بمختلف ما لذ وطاب فتهز رأسك قائلاً : ان الحياة لامثال هؤلاء الذين عمرت جيوبهم وامتلأت موائدهم فعمرت قلوبهم بالسعادة وطابت نفوسهم واطمأنت سريرتهم لان الحياة قد خصتهم بمجدها واغدقت عليهم من عطائها ، وتخرج وفي نفسك شيء من الحسرة وفي قلبك كثير من الرغبة في ان تكون لك كهؤلاء البيوت الشاهقة ذات القاعات الواسعة تزينها الرياش الثمينة ويملأ جوها شذا الازهار الفواحة العطور ويقف على خدمتها عدد غير قليل من الخدم ،
وقد تنقم على الحياة وتثور على نفسك وتعتريك موجة مؤلمة من اليأس والقنوط تجعلك ترى الحياة على غير حقيقتها ساعة تنظر اليها من خلال منظار اسود يريك القبح جمالاً والجمال قبحاً والصحة مرضاً والمرض صحة وتذهل فتظن الشقاء سعادة والسعادة ألماً ، لكنك لو عدت الى نفسك فاسترحت قليلاً ثم تطلعت الى الحياة بعين الجد والانصاف لبدت لك حين تنظر اليها نظرة المتأمل الواقف على كنه حقيقتها والمتغلغل في ثنايا اعماقها ، غير الحياة التي غبطت القوم الاثرياء عليها وتأكدت ان السعادة لم تبهرها قط قصور فخيمة ومبان كبيرة ورياش فاخرة ولآلي رائعة حتى تستقر في قلوب اصحابها ! لكنها كانت في كل زمن وكل وقت ديموقراطية عادلة لا تسكن الا القلوب التي اطمأنت الى نزاهة امانيها وحلو آمالها ولا تدخل الا البيوت التي اخلص اصحابها لاعمالهم
وواجباتهم فسلكوا الطريق السوي ودانوا بمبدأ الاخلاص والتجرد ورسموا لانفسهم خططاً منهجية سليمة يسيرون وفقها ويعملون لها .
وتعال معي الآن نجل قليلاً بين هذه البيوت وتلك ، بين هذه المباني التي بهرتك بالامس وخلت الطبيعة قد خصتها بكل لون من ألوان الهناء والسعادة بينما حرمتك انت العامل بجد وثبات في الحياة تتسلح بالعزم والعلم وتتدرع بالامل والتجرد والكفاءة من حقك بالمال الوفير والحياة الصاخبة والثراء الجميل .
ألا ترى معي هذه الاسرة ؟ ؟ انها ذات ثراء واسع وجاه عريض . وافرادها وهم والدان وصبية في ريق الشباب وربيع العمر وشقيقان ما يزالان في طور المراهقة ، ينعمون بكل وسائل الراحة واسباب الهناء . لان المال قد تكدس في خزائن الزوج والرياش قد ملأت البيت الفسيح الارجاء والزائرين والزائرات من الاثرياء قد اضفوا على جو البيت حيوية وجمالاً . سمعت ربة هذه الاسرة يوماً تقول : لقد مضى علي ثلاثة ايام لم ار فيها اولادي وانا جد مشتاقة اليهم فعجبت وقلت : عذراً ان استغربت هذا منك يا سيدتي فهل كنت خارج المدينة ؟


