فضحكت السيدة وقالت : لا ، فقلت : وهل كان الاولاد اذن ؟ فاجابت ثانية : لا . وعندما لاحظت اني دهشت قالت : ان السهرات الطويلة هي التي كانت تحرمني من رؤيتهم . ففهمت عندئذ جوابها وعرفت ان الموائد الخضراء لم تبق لها من الوقت متسعاً لان تتيح لها رؤية اولادها . كانت لا تعود الى البيت الا في ساعة متأخرة من الليل فتجد الولدين نائمين وابنتها الشابة ما تزال خارج البيت مع لفيف من صديقاتها واصدقائها ايضاً . وتنام السيدة منهكة القوى ، لان ما بذلت من جهد وانتباه واسرفت من مال على المائدة الخضراء قد اوهن اجفانها وجر التعب الى افكارها واعصابها فتستسلم الى رقاد طويل لا يردّها الى يقظتها الا في ساعة متأخرة من النهار فتنهض لتجد الاولاد قد خرجوا من المنزل الى مدارسهم وزوجها قد انصرف الى عمله ليعود في ساعات متأخرة من الليل ايضاً . ان نهاره للعمل وامواله للمآدب والخمر والعبث . والزوجة لا رقيب عليها ولا رفيق يؤنس حياتها فتندفع هي الاخرى تتأثر لنفسها من زوجها بايجاد الانس على الموائد الخضراء وبايجاد الرفاق بين الاصدقاء .
فأقول في نفسي : يا للاوهام !! أحق ان هذه الاسرة سعيدة ؟ الزوج لا يجـــد هناءه الا بين السمّار والمدمنين والزوجة منسية تنتقم وتبحث عن هنائها خارج البيت والشابة تسير على غير هدى لا عطف من أب ولا توجيه من أم وهي بلا شك ترى في امها القدوة التي يصح ان يُسار عليها فتبحث عن سعادتها عــلى طريقتها الخاصة .
وهذان الفتيان من يرعاهما ؟ ومن يراقب امورهما ؟ انها في مرحلة من العمر ذات خطورة وهذا البيت الكبير من يدير شؤونه وينظم موازنته ويشرف
على اعماله وعلى دخله وخرجه ؟ كل شيء فيه بيد الخدم . الخدم يديرون البيت ويربون الاولاد ويعاملون الزوج ويؤنسونه في الساعات التي يفتقد فيها رب البيت زوجه ويشعر فيها بالوحدة .
واذا اصغيت الى الزوج اطال الكلام عليك فحدثك باسهاب عن همومه المالية واسهمه في الشركات تتعرض في كل ساعة لهزات اقتصادية عنيفة وشكا لـك سـوء الحالة الصحية التي يعانيها فالادمان اورث اعصابه ضعفاً والاسراف في السعي وراء الملذات قد ولّد في كيانه انواعاً من الاضطراب لا عد لها ومطالب الزوجة واسرافها في الانفاق على حليها وازيائها وعطورها وخساراتها المتواصلة على موائد القمار قــد اقلقت خاطره وجعلت منه شخصاً متبرماً بالحياة ناقماً على المرأة .
ثم تصغي الى الزوجــة فتطالعك بشكاوى ما كنت لتفهم لها سبباً لو لم تكن تصغي الى سيدة مثيرة هي في زعم البعض مرموقة المكانة عالية المقام :
هي دائمة الانهماك لا حديث لها الا في
الحالة الصحية التي صارت اليها في هـذه الايام ، فضغطها في صعود وهبوط يقلقان راحتها ويقتضيان استشارات طبية دائمة . وهي لا تجد في برنامجها المسلكي ما يسمح لها بالتمتع ببعض الراحة . فمفكرتها المذهبة ذات القلم المتناهي في الدقة ملأى بالمواعيد ، والصديقات والاصدقاء كلفون بها يلاحقونها بالدعوات وهي تارة غاضبة لأن الزوج كثير النسيان مفرط في الانشغال عن البيت والاولاد باعماله ومواعيده وتارة نائمة لان الخادمات اصبحن اليوم متحكمات في البيوت لا تفرق بين الواحدة منهن وربة البيت في شيء . فلهن بفعل هذا الفضول وهذا التحدي القول والنهي في كل امر . الواحدة منهن تغازل رب البيت او الابن ولا حياء يردعها ولا حشمة تزجرها واذا ما حاسبتها على ذلك هددت وتوعدت وانذرت بترك البيت فتضطر السيدة عند ذلك الى الاذعان .
ثم تسترسل السيدة قاطعة عليك كل حق في الحديث بالكلام على الخياطين الذين لا يحترمون موعداً وتربك بعد

