في بالقراءة. وهنا شعرت بشيء من الامل يرادني. فالنتيجة كانت بيد الله والطبيب ومدام كوري.
كنت اتألم من الانتظار، انتظار تلك الساعة الرهيبة، ساعة الموت، فهذا الالم الروحي كان اصعب علي من أي ألم جسدي يمكن ان يلم بانسان.
واجربت لي تجربة «الرادون» وهو نوع من الراديوم الذي يعطي اشعة تدخل في العضو المصاب، لم اكن اعلم اذا كانت تشفي لكني علمت انه يتوجب تجربتها فجربناها. منذ ذلك الوقت وانا اذهب الى المختبرات لفحص الدم والمعالجة باشعة (X).
وابتدأ جسمي يذوب وينحل رويداً رويداً بادئ الامر ثم اخذ يتزايد حتى لم يبق مني سوى جلد يغطي العظام.
واصبحت حياتي على وتيرة واحدة في جميع الايام، ورتبت دوروتي وقتها لترافقني كل يوم للمعالجة. لم اكن اجد لذة في السير، اذ اني كنت اعتبره وضع رجل امام الاخرى الى ان اصل للمنزل. وحالما ادخل البيت ارتمي على فراشي لان كل عضو من اعضائي يطلب الراحة وكأنني خارجة من معركة منهكة القوى.
واحيانا كان يضمحل الالم واتمكن من تسلية نفسي بالقيام ببعض الالعاب والاحاجي مع اولادي الصغار حول فراشي.
وابتدأت اتجنب المرآة كي لا ارى هيكلي العظمي. وكرهت ثيابي وكنت اجد صعوبة في لبسها كل يوم. اما شعري واظافري فقد بدت مهترئة فكنت اضع المساحيق على وجهي وشفاهي لاخفي ذلك المنظر المقيت الذي اصبحت فيه!
انتهت الادوية والوسائل والعلاجات عند الطبيب، واحسست ان الطريق يبدو اطول فأطول، والفراش يدعوني بالحاح كلما طالت المدة. وتناولت ست
وخمسين علاجاً من اشعة (X) مع الراديوم والفيتامين واصبح وزني اقل من تسعين ليبرة بعد ان كان ١٤٥، ومع ذلك بقي في شيء من القوة تحملني الى الطبيب «سكوت». واشار علي ان ادخل المستشفى لاعطى دماً علي انقدم، فبرزت رأسي وتساءلت: ما الفائدة ان يطيل حياتي وعذابي؟
تركت المستشفى لاقضي مع اولادي عيد الميلاد. جلست في غرفتي اتأمل جميع البيوت التي اقمنا فيها. وماذا بقي منها في.
اظن ان كل من يتألم من السرطان يحاول ان يعود بذاكرته الى اول نشأة المرض فيه. كيف بدأ هذا الالم؟
كان ذلك عام ١٩٤٤ في المزرعة عندما شعرت بالسرطان. وابتدأ على شكل الم في جنبي لو ذهبت حينذاك الى الطبيب لاستطاع ان يضع يده على مكان الالم ويقتلع الجرثومة منذ بدء نشأتها. لكني لست آسفة على ذلك، ففي ذلك الوقت لم اكن لافهم فلسفة الحياة ولم اكن استطيع ان اتحمل الخبر، وكان ممكناً ان يذهب الاولاد ضحيتي، وربما انتظرت الى هذا الوقت لابرهن اني استطيع ان احيا مع السرطان!
عندما سئل المسيح عمن ارتكب الخطيئة الاعمى او اهله، اجاب: لا هو ولا اهله وانما لنظهر اعمال الرب فيه!
وفي مساء العيد اضطجعت في سريري انظر الى شجرة الميلاد يحيط بها الاولاد، كنت اشعر ان هذه هي آخر مرة اجلس فيها مع اولادي في مثل هذا العيد، واغمضت جفوني في ذلك المساء وفكرت كما ان النوم هو الموت الصغير الذي يريح الجسد ويجدد قوى العقل، هكذا الموت سيكون النوم الكبير الذي يريح الجسد ويجدد قوى الروح وعلمت ان الموت وان داهمني عن قريب فذكرى هذا العيد لن انساها ابداً وافراحه لن تذهب سدى.
وافقت في الصباح متعجبة متسائلة كيف لا ازال حية! وفي كل صباح استيقظ فيه هو انتصار جديد على الموت بل هو نور يضيء ظلمات اليأس الذي اتخبط فيه.
وبعد ان زارنا ابن اخي مع عروسه لاني لا استطيع الذهاب اليها، منذ ذلك الوقت قررت ان اتغلب على جميع الآلام واترك الفراش، وسعيت ان اظهر في جميع الحفلات والمآدب باهي ملابسي واجملها.
واردت ان اترك جانب الكدر والحزن لنفسي واخفيها عن الجميع لتبقى صورتي في ذاكرة الجميع جميلة مؤنسة لاتشوهها الآلام ولا يحجب اليأس نضارتها.
وتابعت العلاج ايضا وايضاً بنوع جديد من الراديوم اذ ابتلع كمية نصف زجاجة من العلاج واحقن بالنصف الآخر. ووجدت ان هذا الدواء لا فائدة منه، وعدت الى المستشفى واعطيت دماء جديداً وللمرة الاولى وجدت نفسي قوية واحسست بشيء داخلي يدفعني للحركة. سألت دوروتي الطبيب هل في ذلك شيء من الامل؟ فكان الجواب: «ان المداواة ليس منها شفاء وان النهاية ستكون مؤلمة وقاسية».
ثابرت على النهوض والاعتناء بشكلي الخارجي، وصادف ذكرى ميلاد اختي «بيلي» الذكرى الرابعة لاعطائي الدم، ولم يكن لدي قوة نفسية تعينني على نظم القصائد كما فعلت في احد اعياد ميلاد «بيلي».
ارتحت مدة شهرين ثم عاودت العلاج بالراديوم. لكن تأثيره كان شبيهاً بالمرات السابقة، واسقط بيد الطبيب ولم يعد لديه وسيلة للشفاء، وهناك في مكتبه جلست كشبح انسان لا يعرف كيف يتجه. لقد فقدت كل شيء ما عدا الحياة
