
ولا بد ان تكون هذه صورة للغروب مثلاً حين اخذ خيال الجبل او منظره يختفي من امامها مع الغروب وفي هذا الوقت تعود الماشية من مراعيها وتفسر الطفلة الشاعرة ذلك بالبكاء.
«النول رجل يرتدي ثياباً حمراء وسوداء وهو يفصد... كانت الفتاة كلها حمراء وكلها بيضاء والنول يمسحها ويقول لها: انت... انت لست وحيدة!...»
«امرأة تدير الطواحين اثناء سنين سبعة وكان على وجهها رغوة فاخذت تحكّ كل الوقت؟»
وفي حوار بينها وبين والدتها تقول:
- يسوع الصغير، هل هو في السماء؟ - طبعاً نعم - اذاً ألا يرى تقه؟ - بالطبع لا - والذئب؟... هل هو في الغابة؟ - نعم... - ألا يرى تقه ايضاً؟ - كلا... - ولكن يا امي... هناك اشياء كثيرة لا ترى نفسها!...»
وبفخر هنري مونييه لان اختيار ميشيل قد وقع عليه ليزيّن اشعارها الصغيرة الرائعة بالرسوم الموافقة وكأنها التثبيج او الحربشة. ومما يخفف عن النفس قليلاً في عصرنا هذا، عصر الطفولة المجاهدة، ان نأتي اخيراً على مؤلف يعكس نضوجاً مبكراً وشعوراً بريئاً صادقاً.
كنت في العاشرة يوم وجدت اول ما وجدت صديقتي الحميمة الأولى بين فتيات مدرستي، فتوثقت اواصر صداقتنا حتى صار لها في نفسي اعظم منزلة. ولما كنت مفطورة على الاستئثار، فقد ألفيتُ نفسي شديدة الغيرة من كل شيء تُعنى به اذا كان شيئاً ليس لي فيه نصيب. ولم أخف عنها ما أحس، فأزعجها ذلك وبرمت به.
وادركت امي ما اعلن، وكنا ذات يوم نتفرج على بعض الفراخ الوليدة ونعجب بها، فرفعتُ احدها بيدي وشددت قبضتي عليه حتى كاد يختنق. وقد جاهد ان يفلت من قبضتي - وما لبث حتى افلت.
فقالت والدتي وكأنها غير عابئة بما حدث: «اذا شددتِ قبضتك على فرخ وليد، عظُمت رغبته في ان يفلت منك. ترفقي في حمله».
فلما اخذت الفرخ الثاني في راحتي المبسوطة اطمأنّ اليّ وسكن، فقالت امي وهي تمرّ بكفها على ريشه: «أتعلمين يا بنتي، ان الناس كالفراخ. فكلما زدنا حرصاً على تقييد من نحبهم، ازدادوا هم حرصاً على طلب الفكاك والحرية. فاذا ترفقت في الحرص عليهم لم يشعروا منك بالضيق والسأم.
فأثمر هذا الدرس ثمره. وعلى اني احس احياناً بالغيرة تستبد بي، فان صورة الفرخ المطمئن في كفي المفتوحة، قد وقتني ان اظهر ما يعتلج في نفسي».
كنت كغيري من لداتي الفتيان الشياطين، أقَع فيما لا تحمد عقباه، ثم اعدو الى امي لتنقذني منه، بيد ان امي كانت تؤثر ان تراني احلّ بنفسي ما اقع فيه من مشكلات. وكنت لا ادرك لِمَ تأبى ان تعينني، حتى كان يوم رأيت فيه شرنقة فراشة تنبض وتتململ، فصحت فرحاً بما توقعت ان اراه، وبادرت الى الشرنقة اشقها بمبراتي، حتى ايسّر على الفراشة ان تخرج منها. واذا امي تراقب ما افعل، فلما شققت الشرنقة ووجدت الفراشة لا تطير، ساورتني خيبة امل قوية، فكان ذلك ما ابتعثَ امي على الكلام، فقالت:
«يا بني ان لجهاد الفراشة غرضا - هو ان يمكنها من ان تكتسب القوة التي تتيح لها ان تحلق فوق العالم الذي كانت تدب فيه دبيباً، فلم تأذن انت لها ان تستكمل قوتها، وها انت ذي لا تستطيع ان تمشي ولا ان تطير. وهذه هي حال الاولاد ايضاً. فاذا لقيَ ولدٌ مثلك من يحل له جميع مشكلاته، سُلب الفرصة التي تتيح له النماء. وكل جهاد في الحياة نخوض غماره يعزز قدرتنا على مواجهة الجهاد الذي يليه».