... من خلال موجة البرد تدفق علينا من الجبال المتشحة بالثلج ، ومن خلال تهاطل الامطار الغزيرة ، تهبُّ علينا بين الحين والحين نسمة دافئة ، معلنة عودة الربيع الجميل ، ينشر ألوانه في السهل والمنحنى ، ويملأ الأرض غناء وطيباً .
انها طلائع الربيع تطل هنا وهناك ، فعيدان اللوز السوداء مشكوكة بالبراعم البيض ، والتراب الاغبر يتغاوى الآن مزهواً بحبته الخضراء المزركشة بالشقيق والاقحوان ، وبألف لون ولون ! وهي ذي الحساسين الصفراء المناقير قد أغريت اخيراً على الخروج من اعشاشها ، فصفقت اجنحتها في الجو ، وأطلقت حنجرتها في التسبيحة الاولى !
انه الربيع ، زمن الانعتاق من كل بالٍ قديم والتسربل بأثواب من الروعة النقية الخلابة ... انه التجدد ، انه البعث !
وهذا البعث الجميل المهيب يطلع علينا من جميع العناصر الطبيعية : من الماء واليابس والجو على السواء ، لماذا لا يشمل الانسان جسداً وروحاً ، فينفض عنه الرث العتيق ، وتغتسل نفسه من ادرانها المزمنة ، وتعانق روحه الصفاء النوراني المهيمن على الكون !؟
هوذا الربيع ! وفي ألق وزغردة هذا العرس الارضي وفي توهجه ورونقه ، ينسى الانسان هموم نفسه المتلبّدة ، ويُحِسّ ان قلبه يتفتق عن ألف حلم ، وان في جنبيه قوى جبارة من الطاقة ، ومن الفتوّة المفتولة الساعد !
ترى ، على أي نحوٍ سيحرق الانسان هذه القوى ؟ كيف ستتفاعل انانيته في استهلاك هذه الطاقة ؟ هل سيمتد افق تفكيره المتجرّد الى المصلحة العامة فيبدّيها على ذاته ، أم ان هذه الذات المتعالية على كل ذات ، ستبقى هي هي لا ترى غير نفسها ونفسها فقط ؟
انه الربيع ! وبطون الارض حبلى بخيراتها ، فلتنطلق انسانية الانسان من قيودها الضيقة المصدأة لتشارك الطبيعة آفاقها الحيّرة المعطاءة ، ولتتعلّم درسها الأوحد من أنّ الحياة عطاء ... لا أخذ !


