لم تكن هذه المرة الاولى التي أذهب فيها الى مصر فقد سبق لي ان زرتها من قبل للترويح والاستجمام والاجتماع باصدقائنا العديدين هناك. اما هذه المرة فقد كان لهذه الزيارة صفة خاصة اذ نزلت فيها ضيفة على اخي نديم. وهذه اول مرة أضيفه بعد زواجه وما كان أسعدني بوجودي معه.
كنت أقصد من هذه الزيارة في الدرجة الاولى الراحة لأستعيد قوتي ونشاطي ولكن هذه الامنية لم تتحقق اذ ما كدت أصل الى القاهرة حتى فوجئت بالاستقبالات والتلفونات ورأيت نفسي محاطة بباقة من الاصدقاء قد تضاعفت عما كانت عليه في السابق وذلك بالنسبة لسكن أخي هناك وصلاته العديدة التي توسعت بحكم عمله، وعليه فقد حسبتني لا أزال في بيروت محاطة بحب وعطف وواجبات عائلية واجتماعية كثيرة ومضنية بالرغم من لذتها. وكانت هذه الاجتماعات والحفلات متواصلة الحلقات من الصباح حتى الليل، فالصبحية على فنجان من القهوة يليها ظهراً الغذاء، ثم الشاي عصراً يتبعه الكوكتيل والعشاء وكثيراً ما ينتهي هذا البرنامج اليومي الطويل الحافل بسهرة أنس تمتد حتى ساعة متأخرة من الليل. وكنا في كل من هذه الاجتماعات كما هي الحال في بيروت ننتقد كثرة الدعوات والاجتماعات ونتأفف منها لما تأخذه من اوقاتنا وراحتنا وما تكلفنا من أعمال تحضيرية مرهقة ومجهودات مادية محسوسة.
ولكن رغم مشاطرتي الخالصة لهذا النقد وقناعتي بخطأ هذا التحول في نظام حياتنا الاجتماعية وانصرافنا عن الكثير من واجباتنا الاساسية نحو بيوتنا واولادنا فاني لم اكن لأرغب في التخلي عن هذه الاجتماعات بل كنت لأطلب المزيد منها لما اتاحته لي من فرص للتعرف عن كثب الى سيدات وشخصيات مصريات ولبنانيات فاضلات تركن في قلبي أطيب الاثر واجمل الذكرى.
لم أجد فرقاً بين معشر المصريين واللبنانيين المقيمين هناك فكلهم يميلون الى البساطة بالرغم مما لدى الكثيرين منهم من الجاه والمال، فروح الخدمة للغير وأكرام الضيف متأصلة في نفوسهم يرافقها اللطف والرقة المتناهيتان. هذه امور كثيراً ما لمستها خلال زيارتي مما جعلني أشعر بموجة من السرور تطفو على كياني
وتملأ نفسي لذة وسعادة فصرت أسيرة للطفهم وعطفهم. وهاكم مثلاً ناطقاً لما تتسم به السيدة المصرية من حب للخدمة وإكرام للضيف: -
كنت مرة في بيت وجيه مصري معروف فدار الحديث عن هذا العهد السياسي الجديد وما لذلك القائد الفذ محمد نجيب من الميزات الرفيعة التي مكنته من الوصول إلى هذا المركز الرفيع فأعربت عن أسفي لعدم الاجتماع به والتحدث إليه فما كان من السيدة منيرة مراد وهي شابة لطيفة تمت بصلة القرابة لعائلة اللواء الا ان سألتني دون أي سابق معرفة بيننا اذا كنت أود الذهاب الى بيت اللواء لزيارة حرمه والتعرف عليها. وبالطبع أجبتها مع الشكر الجزيل بالإيجاب ولكن كيف يتسنى لي ذلك وانا على أهبة الرجوع الى لبنان ولم يبق لدي متسع من الوقت؟ وكم كانت دهشتي عظيمة حينما اتصلت بي السيدة المذكورة في اليوم التالي وأعلمتني بان حرم اللواء نجيب تنتظر زيارتي في عصر ذلك اليوم فقدرت لها مجهودها واندفاعها لاكرامي. وفي الموعد المعين ذهبت برفقتها مع عقيلة أخي والآنسة سبا طوقان الى حيث يقطن اللواء في بيت متواضع جداً ليس عليه أية مسحة من دلائل الابهة والعظمة التي غالباً ما ترافق بيوت القواد واصحاب المناصب الرفيعة. وهذا البيت يقع في منطقة الحليمة التي تبعد حوالي نصف ساعة عن قلب المدينة. وقد استقبلتنا زوجته في صالونها الصغير المؤثث بأبسط الفرش ورحبت بنا بابتسامة عذبة طبيعية لا كلفة فيها ولا تصنع وكان حديثها متواضعاً جذاباً ينم عن اخلاص وحب مما أشعرنا أننا لسنا غريبات عنها. وقد لاحظت جلياً بأنها غير آبهة بهذه الهالة من المجد التي تحيط بزوجها وغير وجلة لما يحيق بزوجها العظيم من الاخطار والعقبات التي هو عرضة لها في كل يوم، وذلك نتيجة إيمانها باله عظيم! فهي تؤمن في قرارة نفسها بان زوجها يؤدي بكل اخلاص وتضحية واجبه المقدس نحو وطنه وبني قومه، ولذلك فهي واثقة مطمئنة بان الله سيرعاه ويحميه. وقد عبرت عن هذا الإيمان بعبارات مقنعة مؤثرة مما جعلنا نخرج من عندها خاشعين معجبين يغمر قلبنا الإيمان الصادق بالعظمة الحقيقية المجردة التي لم تتأثر ولن تتأثر بمغريات الحكم ولا بزخرفته وظواهره الخلابة.
