
الشرق القديم كان القضاء يتفرع عن الدين ، لأن الدين وحده كان مصدر التشريع . ولهذا كان القيم على الدين يتولى القضاء بنفسه او يعهد به الى رئيس الكهنة . ومن أجل هذا ايضاً لم يكن نصيب المرأة من القضاء احسن منه في القيام بشعائر الدين . وكل هذه الامور لم تكن عادة من شأن النساء .
وبعد الفتح الاسلامي لم يتبدل الواقع كثيراً . وما تغير كان بنسبة الفارق الذي فرضته تطورات الزمن . فالخليفة ، وهو نائب صاحب الشرع في الدعوة الى الدين ، كان صاحب الحق الاول في تولي القضاء . والتاريخ يثبت ان الخلفاء الاولين جلسوا للحكم بانفسهم ، ثم احدثوا القضاة يولونهم الاحكام . ولم يعرف بوجه صريح ان النساء قد عهد اليهن بوظائف قضائية . ولكن من المعروف ان بعضهن جلس للفتيا ، والافتاء وهو ارشاد الناس وتفقيهم لم يكن ملزماً ومن وصل اليه من النساء وصل بعلمه وهذا ما لا يمكن تقييده بنظام خاص .
وفي الشرق الحديث لقد سلخت امور كثيرة في التشريع عن ملازمات الدين واصبح القضاء سلطة قائمة بذاتها تنفصل عن باقي السلطات ، وعلى هذا يصح القول ولو بصورة مبدئية ان الموانع التقليدية التي كانت تحول بين المرأة والقضاء قد زالت . غير ان التقاليد دخلت مع الاسف في التشريع فما كان منعاً بتقليد صار حرماناً بنص قانوني اذ ان قانون تنظيم المحاكم في
الشرق ما عدا تركيا الحديثة، جعل القضاء للرجال وحدهم . وهنا يجدر القول بان اقصاء النساء عن القضاء لم يكن مقصوداً بحد ذاته بل كان نتيجة طبيعة لمنع المرأة من التمتع بكامل حقوقها السياسية . ولا بد من القول ايضاً بان الشرائع الشرقية قديمها وحديثها لو بقيت شرقية صرفة لما اصاب المرأة أي اذى . وليس من الصعب اقامة الدليل على ان الشرع الاسلامي ، وهو الذي هيمن وحده عصوراً طويلة على بلاد الشرق ليس في اصوله ما يوصل بالمرأة الى مثل هذه النتيجة من التضييق . فحقوق المرأة فيه كاملة والاحكام المتعلقة بها تخضع قبل غيرها الى قاعدة تغير الاحكام بتغير الازمان ، ولكن بدلاً من ان يكون تطوره تقدمياً وتصاعدياً حدث العكس فاستقر الشرق في رجعية قائمة وسبب ذلك تطلع الشرق الى مثل لم تنشأ في بلاده . وكأن من اقباله على القوانين الغربية وكلها ترجع بالمرأة القهقرى ما ظلم المرأة في بلادنا
وقد يبدو ذلك غريباً ولكن النصوص في متناول كل يد وان ما حصلت عليه المرأة الغربية قبل الشرقية من تمتع بحقوق سياسية لم يكن الا بعد معارك شنتها في الشوارع والمنتديات قولاً وكتابة وتظاهرات ، فازالت من امامها الحواجز التي كانت تعترض رقيها .
ونهضة الشرق اليوم ترتكز في روحانيتها على تعاليم الشرق وحده ، والشرق مصدر النور ، وتستمد من الغرب بعض فنونه
