اجل نحن في لبنان، في هذا البلد الفذ في خصائصه، الفريد في حيويته المتدافعة ابداً، المتفاعلة اضداده بحيث لا تنفك العقد الفكرية تطرح فيه حول مفاهيم الامور فيتناولها العقل اللبناني بمختلف تياراته ويظل يعمل فيها تحليلاً وتشريحاً، تهب فيه لفحات موبوءة بادران التأخر والتقهقر وتعصف فيه ريح معافية قضى على ادرانها انفتاحه على منافذ تجدد مناخه فيبرأ ويتعافى، ويتعافى حتى لا يخرج من هذا العمل العقلي العنيف شأنه في كل مرة، وهو على صعيد انقى ما وصل اليه الفكر من تطور في المفاهيم وتقدم في المعطيات.
هكذا كان شأنه في قضية حقوق المرأة السياسية ... فقد تضاربت الآراء حول هذه القضية بصورة استطعنا معها ان نرى في هذا البلد مفاهيم للاشياء لا يمكن قياسها بمقاييس معينة نستطيع ان نقول عنها انها رجعية، او تقدمية او وقوفية ... لقد اتيح لنا ان نسمع آراء هي في اقصى التأخر واخرى في جمود غريب وسواها في تردد وغيرها في انطلاق نحو ارقى ما توصل اليه البشر من مقاييس تتوثب نحو التجدد وتندفع نحو تحقيق ما جناه العقل البشري من ثمرات جهوده... وهكذا رأينا في طرف تفكيراً يتناسب مع عقلية اهل الغاب وفي طرف آخر تفكيراً يضاهي ارقى ما وصل اليه العقل من فتوحات. كما يتسنى لنا ان نرى
في كل يوم في هذا البلد مظاهر تدل على تطور بعيد المدى فسيحه، نرى شطآنه تموج في الاجساد المنطلقة انطلاقاً بريئاً رياضياً في غمرة ضياء شموسه ونرى جباله الناصعة تعج بالقدود الهيفاء تتزلج متراقصة على ثلوجه، ونرى ايضاً تقهقراً وتأخراً على نقيض فاضح لمظاهر التقدم والتحضر تلك.
يظل هذان النقيضان يتعايشان ويتفاعلان، وتظل للبنان حيويته المتدافعة بفضل تضارب هذين النقيضين حتى ينبثق عنها اخيراً شيء هو اغنى واروع من اي تجدد يفرض عليه فرضاً جامداً وقد خلا من كل نبضة انسانية متحفزة. فيفوز بحلول هي من ثمار تحككه الفكري بشتى خصائصه ويجيء جديده نابضاً حيوية ثابت الدعائم لا تقتلعه اهواء خارجة عنه لانه لم تأت به اهواء غريبة عنه. هكذا كان شأنه في قضية حقوق المرأة في لبنان حيث كان لجميع العناصر والاتجاهات ان تقول كلمتها وان تضع ثقلها في الميزان فكان ان اتت الدفعة متعادلة مع ما وضع فيه من اثقال لكل اتجاه ولكل ميل وكان ان ظهر لبنان بوجهه الحقيقي الصميمي وهو وجه لا يقل اشراقاً ولا غنى في العنصر الانساني عن اي بلد في العالم.
قلنا ان للبنان طابعه الخاص، وقد يبدو هذا الطابع فريداً في بابه غريباً في نوعه اذ انه يظهر لبنان وكأن له قدماً في
ارقى اوساط الحضارة واكثرها تقدما واخرى في اكثرها تقهقراً وتأخراً، كما قال احد الحيثاء، فينا العنصر الانساني فيه ينطلق انطلاقاً كلياً في التمتع بمباهج الطبيعة والاستمتاع بملاذ الحياة البريئة نرى هذا العنصر في جهة اخرى مقيداً في سلاسل ذهنية القرية او عقلية الحفاظ على تقاليد. لقد يبدو ذلك صحيحاً وهو صحيح، ولكن الشيء الذي اود ان اكرر الاشارة اليه هو ان مبعث حيوية هذا البلد الفريدة، هو في هذه الخاصة بالذات التي هي ينبوع غناء في الوثبات والانتفاضات العفوية العنيفة حين تنتهي هذه التشابكات فيه الى التبوثق في ارادة لبنانية صميمية تندفع من صميم كيانه وما كانت هذه الارادة يوماً، في جميع اوساطه ومختلف اجزائه، الا توقاً شديداً الى ان يكون لبنان دوما في الطليعة من ركب الحضارة والتقدم.
بقي على جميع العناصر فيه ان تدرك هذه الحقيقة بعمق وان لا تتألف اذا ما لمست بعض التأخر او بدا لها بعض التردد في تحقيق ما يتفق مع الجديد في العالم، فلبنان يجب ان يجد طريقه بنفسه وان تندفع الوثبة من صميمه وهو منفتح قل ان تأخر عن الوثوب في كل مرة تفهم صحة هذا التوثب، فمن اجل ذلك وجب ان يظل الحوار العقلي قائماً في لبنان وان لا يوقف هذا الحوار بفرض ما يجيء من الخارج فرضاً يجمد عمله العقلي.
فلنذكر اذن دوماً اننا نحن في لبنان، وان هذا البلد لا يمكن سوقه سوقاً كيفياً الى اي شيء كان، كما انه علينا ان نذكر ايضاً انه باستطاعتنا في كل يوم ان نطرح
(البقية على الصفحة ٥٠)
