وأعلنت هيئة الامم المتحدة تحقيق ما حلم به هرتزل سنة ١٨٩٥ في كتابه ( الدولة اليهودية ) ، فهب العرب يدافعون عن اراضيهم ومواطن معيشتهم ، وانتصب ملاك الموت والمحصد في يده يجني الرؤوس آحاداً ، ثم عشرات ، ثم مئات ... وكان على حياة ان تختار احد امرين : إما ان تقبع في بيتها تنتظر حظها من الزواج ، وإما ان تسكن دير ياسين لتتابع كفاحها في سبيل العلم والصحة .
ولم تتردد الفتاة كثيراً فحملت بعض امتعتها ورحلت الى القرية ، وسكنت في غرفة من غرف مدرستها .
وفي هذه الغرفة عانت المعلمة انواعاً شتى من الحرمان وشظف العيش ... اما الضوء فكان مصباح الزيت ... وأما التدفئة فكان الحرام تلفه على نفسها وهي تراجع الدفاتر ، وتعد الدروس .
وانتشرت الحوادث بسرعة الى ان شملت دير ياسين ايضاً ... ولما كانت هذه القرية محاطة باربع مستعمرات يهودية ، خشيت خيانة جيرانها فألفت من فتياتها وفتيانها حامية وكانت حياة من اركانها .
قالت لي ذات يوم : حدث بينا كنت أتدرب على اطلاق النار من البندقية ان راحت الرصاصة تزغرد في مستعمرة مجاورة !..
ومضت ايام واسابيع تأزمت في اثنائها العلائق بين دير ياسين والمستعمرات التي حولها ، ولم يدر القرويون ان القيادة اليهودية قد اختارت قريتهم كبدء مرحلة جديدة في خططها « العسكرية » .
وعند الساعة الثالثة من صباح يوم قاتم اطبق ألفان من اليهود المسلحين بالبنادق السريعة الطلقات والخناجر ،
على سكان القرية النيام ، ونشبت بينهم وبين الحامية معركة لم تدم طويلاً ، فتغلب المعتدون على المناضلين القرويين ، وبدأت المجزرة !..
اما حياة فما ان بلغها ازيز الرصاص وانفجار القنابل حتى هبت من فراشها وهي في قميص النوم ، وهامت على وجهها في الحقول وبين التلال ... وبعد لحظات وجدت نفسها في مكان امين خارج القرية وبوسعها الالتجاء الى قرية عربية اخرى . الا انها سمعت في هذه الآونة انيناً بالقرب منها ، فاتجهت الى مصدره واذا هي امام جريحين من حامية دير ياسين ، فتقدمت
منها ، ومزقت جزءاً من قميصها ضمدت به جراحها ، ثم قررت رأيها على ان تضعها في مغارة في تلك الناحية الى ان تتمكن من اخبار رجال الهلال الاحمر عنها ، فحملت احدهما على كتفها وسارت به نحو المغارة .. وبعد مسير عشرة امتار مزق الجو صوت طلقات سريعة فسقط الجريح قتيلاً ، وسقطت حياة فوقه مضرجة بدمائها .
اما الجريح الثاني فقد قدر له ان يعيش ويروي خاتمة حياة فتاة تذوقت الجهاد في سبيل العلم ، والاسى في سبيل العائلة ، والبطولة في سبيل الوطن !..

