الأقلية الخلاقة
نعيش في فترة عصيبة تتميز باضطراب الروح البشرية وعدم الاستقرار في المجتمع ، لان الحضارة الانسانية التي انشأناها بالعرق والدم على وشك الدخول في حقبة جديدة قد تكون مضمخة بالامكانيات الجسام .
ولكن فترة الانتقال فترة قلقة تتميز بالشك والحيرة ، فقد تزعزعت عقائد وظهرت عقائد اخر ، وتداعت قيم وارتفعت على انقاضها قيم ، وشاعت آراء ، وانتشرت نظريات حتى انك ترى الناس في العالم اجمع في شبه حيرة روحية مزعجة وفي قلق نفسي مض .
وقد يظن ظان ان ازمتنا هذه فريدة ، او انها ستقضي على الحضارة . هذا خطأ في التفكير التاريخي لان هذه الازمة انما هي حلقة في سلسلة طويلة من ازمات متلاحقة كانت تمر فيها
البشرية ، وكانت الروح الانسانية تخرج منها ابداً منتصرة . القيم الحضارية لا تموت . تصيبها انتكاسة وبعثريها وهن ولكنها لا تلبث طويلاً حتى تخرج من الظلام نشيطة
بفضل الاقلية الخلاقة التي تحتفظ بايمانها ومثلها العليا .
وفي حلك الازمات يتلمس الناس النور ، في الضباب يتشوقون الى القمم المجلة بالنور . وفي الصعاب يتلفت الناس الى القائد - والقيادة كانت ابداً في الاقلية الحيرة النيرة ، الغنية بروحها ، العظيمة باقدامها .
رافقوني بخيالكم الى نصب رائع يقوم على حافتي بركة في حديقة عامة من حدائق مدينة غربية عظيمة . نصب نشأت بيني وبينه صلة روحية عندما كنت طالباً ، فكنت اجدني سائراً نحوه كلما أنست في نفسي مللاً .
والتمثال قطعتان من صخر . الواحدة تمثل الزمن ، والثانية تمثل الانسانية . اما تمثال الزمن فمنظره مخيف : شبح ضخم ، مديد القامة ، ساكن سكون الموت ، متشح برداء يجله كأنه شبح خارج من اعماق الارض . عيناه الغائرتان المستمرتان في الافق البعيد ، وابتسامته الهازئة الساخرة لا تبعث في نفسك الدفء ، اذ ما ليس فيه حياة لا دفء فيه . فتشبح بوجهك الى القطعة الثانية من النصب على الحافة المقابلة : تمثال الانسانية النابض بالحياة . هذا الصخر العظيم الذي ينتهي بقمّة عند اقصى الشرق ينبعث من ورائها النور . اقول ، هذا الصخر العظيم يمثل تاريخ الانسان . في هذا الصخر مثل ازميل النحات مواكب الانسانية الخارجة من مغاور مظلمة ، الزاحفة صعدا نحو قمة
النور ، وفي زحفها تتمثل الحياة بقسوتها وبؤسها ، وشقائها . الجوع والمرض ، الجريمة والاضطهاد ، اليأس والكآبة جميعها هناك . الطفولة الوادعة الباكية ، والامومة الشاحبة المتألمة ، والشيخوخة المثقلة الكثبية ، تراها جميعاً تسير مع القافلة سيراً وثيداً . وهذا النصب المخيف ، نصب الزمن واقف يقرأ بصراع الانسان .
ولكن للنصب وجهاً مشرقاً ، اذ تتمثل في النصب ايضاً الحياة بعظمتها ، والانسان يجبرونه . في هذه القافلة الزاحفة نحو النور ، ترتفع فوق مناكب الناس رؤوس ذات وجوه مشرقة ، في ارتفاعها جلال ، وفي خطواتها عزم . ييسر ترى سقراط وفي يده كأس الموت . ترى افلاطون في غابته ، ترى الاسكندر وجحافله ، ترى مصاباً ، وعند جذع صليبه نسوة
باكيات ، ترى النبي العربي ترى بولس في سجنه ، ترى كومة من حطب عليها عالم او مصلح يحترق ، ترى لوثر يترجم توراته ، ترى باستر ومجهره . وتتابع سير القافلة
فترى هنا وهناك رأساً مرتفعاً ، او بدأ تمد الى ضعيف او بائس او صعلوك والقافلة باجمها تسير نحو الاشعة المنبعثة من وراء قمة النور .
تقف امام التمثال كما وقفت انا ، وتطيل الوقوف كما اطلته انا ، فلا يداخلك ملل ، بل كلما حدقت فيه تمثلت امامك مواكب التاريخ المرير والتاريخ المشرق .
وستقف كما وقفت انا طويلاً تحدق في الرؤوس المرتفعة ، في الاقلية الخلاقة النشيطة التي كانت ، ولا تزال تقود القافلة الانسانية نحو النور .
فتشوا عن الظافرين في معركة الحياة ، عن الخالدين في سجل الانسانية ، عن المبدعين في عالم الفكر والروح ، ومن تجدون ؟ العتاة الظالمين ام روح العدالة الصارخة في وجه العدوان ؟ نيرون ام شهداءه ؟ سقراط ام الذين حكموا عليه بالموت ؟ بيلاطس ام المسيح ؟ النبي العربي الكريم ام مضطهديه من قريش ؟ بولس في سجنه ام روما تنبه في جبروتها ؟
في العلم وما نتج عنه من بركات من استجلي غوامض الكون وحل رموزه ؟ قلة من الناس . في الاجتماع ، في الاصلاح ، من صلب ؟ من اضطهد ؟ من احرق ؟ قلة من الناس . في معركة الحياة - والتاريخ سجل معركة الحرية ، اقول في معركة الحياة من سفك دمه من وقع قتيلاً في المعركة لتنعم ببركات الحرية ؟
