قلة من الناس . وفي الساعات الحاسمة من اتخذ القرارات ؟ من تجرأ على مجابهة الغوغاء ؟ من تحدى الزمن ؟ من وجه الجماهير ؟ قلة من الناس حتى في نظامنا الجمهوري من يقرر ؟ أهي قضية عدد ابد ترتفع ، ام هي قلة نيرة تشق الطريق وتقترح وتوجه وتنفذ ؟
قد يخيل الى بعضكم اني اغمط الجماهير حقها في عصر تحارب فيه لاعطاء الجماهير حقها . او اني احتقر الجماعات الكادحة الصامتة العاملة في الخفاء ، في فترة تحارب فيه هذه الجماعات دفاعاً عن حقها في الحياة ، او اني من الجماعة التي تدافع عن الارستقراطية وعن فضلها وعن حقوقها لانها تعهدت الفنون وكانت قصورها ملاذاً للفكر وموئلاً للعلم .
كلا رغم اعترافي بالواقع التاريخي فانني من هذه الجماعات ، اتحسس بأحاسيسها ، وأتألم لآلامها - ولست من العباقرة
فاحسب نفسي من هذه القلة الخلاقة التي ترتفع فوق مناكب الناس ، بل انا مواطن من المواطنين المحتشمين الذين يؤمنون ان كل فرد منا يمكن ان يكون في اعداد الاقلية الخيرة ، وليس من الضروري ان تكون انت او انا شاعراً او فناناً او فيلسوفاً او عالماً مخترعاً لتحشر انت او انا في زمرة الخالدين .
قلت في بدء كلامي اننا نعيش في فترة فقد فيها الناس ايمانهم بالقيم الروحية ، اتؤمن بالقيم الروحية ؟ اذن انت من الاقلية الخلاقة . لان الحضارة التي تفقد ايمانها بالقيم الروحية تموت .
نعيش في فترة تتميز بالشك ، بالشك في كل شيء ، في قيمة العدل والخير في قيمة الاخلاق والدين ، في قيمة المدرسة والمختبر ، في قيمة الحياة ذاتها . أتؤمن بقيمة العدل والخير ؟ أتؤمن بالانسان ؟ أتؤمن انه مقدر له ان يصل الى مصاف
الملائكة ؟ اذا انت من الاقلية الخلاقة .
نعيش في جو انعكست فيه المفاهيم الانسانية ، فالفضيلة تزدرى ، والطغيان يعظم والقوة البدنية تقدس ، والاحتكار التجاري بعد عبقرية والانتهاز ذكاء ، وليس ايسر على المرء في جو كهذا من ان يفقد ايمانه ويتخلى عن مثله . أتحتفظ بايمانك بالفضيلة ، أتحتفظ بمثلك ؟ اذا انت من الاقلية الخلاقة . لان كل حضارة تفقد الايمان بالقيم الروحية ، بالفضائل الانسانية ، حضارة سائرة نحو الفناء .
ومن اسرار العبقرية التضحية ، ومن عناصرها الألم ومن ملابساتها الحرمان ، ولكن من اسرار العبقرية الخلود ومن عناصرها الانتصار على الألم ومن ملابساتها الرضى . فلنكن من هذه الاقلية التي وان ضحت ، وان قاست وان هزئ بها فانها تظل الاقلية التي تسير بالقافلة نحو النور والخير والجمال .

