كنا صديقتين ، تعارفنا منذ الحداثة وجمعت بيننا أفكار متقاربة ومثاليات خلناها سهلة التحقيق ، قريبة المنال ، فعجبنا كيف يقف الناس أمامها متحمسين لها دون عمل أو غير مكترثين بها ، فصممنا ان نواجهها : صديقتي الشابة وأنا.
وابتدأنا بإعطاء ذوي العوز ما كنا نلقاه لدينا من ملابس ودراهم ، ثم ابتدأت مثاليتنا تكبر وتنمو ورأيناها ان تكون في اعطاء الدروس لخادماتنا في البيت . وابتدأنا دون لجاجة ، وصارت صديقتي تنقل الي منهاجها في التعليم وتقبل تلميذتها للقراءة . وكنت اخبرها عما ألقاه من صعوبة في جعل تلميذتي توجه اهتمامها للدرس دون العمل البيتي بما اثار حنق أبي وامي علي ، وكال لي ألوان الهزء من اخواني حتى اسمونا « افلاطون وأرسطو » ، وكانوا يقولون : غداً يسبق
التلميذ استاذه !
ومضت السنوات وشبنا عن طوق المثاليات المتحمسة ، بعد ان تركت ورائي جاهلة تعلمت . اما صديقتي فقد تركت وراءها فتاة واعية زادها العلم شقاءً وأسى .
فقد رباها بيت أسيادها حتى بلغت العشرين من عمرها ، ثم جاء اهلها وعادوا بها الى القرية لتبدأ حياة كتبها لها الحظ بأحرفه السوداء . ولم تعد صديقتي تدري بأمرها شيئاً حتى انها نسيت تلك النتيجة المباركة التي تمثلت في ذهن قروي وقاد . ولكنها جاءت مرة لزيارتي وبيدها رسالة فضتها وقالت : هاك اقرئيها ، انها من تلميذتي ـ من خديجه . فقرأت :
صديقتي السيدة
ولا ادري ان كان يليق ان اوجه كلامي هكذا ، او ان اجعله : سيدتي
الصديقة ، ولكنك يا سيدتي تنزهت ان تكوني لي سيدة بالمعنى الذي اراده الناس حين ميزونا اسياداً وعبيداً ، فكنت بذلك نعم الانسان ومثال الصديقة .
ففي قلبي احزان أنوء بحملها ، وعبثاً ارجو انطلاقاً لدى غيرك ، فاسمعي لها فاني ادري اي تجاوب لها في نفسك .
لقد عاد بي اهلي اليهم ، اهلي القرويون المساكين ، الذين يقضون يومهم بكدح ثقيل لا يدري به امثالك الا خيالاً ملطفاً في بطون الكتب ! . عادوا بي وطووا ثيابي كتب المطالعة التي عجبوا منها وظنوها كتبك انت اخذتها دون علمك ، فطمأنتهم انها ملكي وانها غدت تعني الي شيئاً كثيراً . ولكن اهلي الساذجين لم يلقوا لي بالاً وحسبوني احشو كلاما فارغاً .
لقد عاد بي اهلي اليهم ويا ليتهم لم يفعلوا ، فحياتي معهم جحيم توقده مشاعري ناراً ، فان تحدثوا ضقت باصواتهم العالية وبالفاظهم الجاسية وبما يتحدثون به ، وان ضحكوا عجبت لما يثير ضحكهم من تفاهة وما يملأه من قهقهة صارخة وضجيج . وان ارادوا الجد لا ارى ما يستدعيه ، وان ارتأوا المسرة لا اقبل معهم عليها . فانظري اي هوة قد غدت تفصل بيني وبين اقرب الناس لي ؟ !
لقد عاد بي اهلي اليهم ، ويا ليتهم لم يفعلوا ، فانت ساعدتني ان ارى الحياة ينبوع جمال في القرية ، حين كنت تقرئين لي ما ألهمت القرى الشعراء ، وتزينين في خيالي وقفات الغدير ، والتنقل بين ازهار الروابي ، وسحر الينابيع في الظلال ، وتلونين في ناظري شعاعات


