الحظُ برقٌ يومضُ ثم يختفي ، فكيف يمكن اجتذابهُ الى وسط حياتنا المستمرة ؟...
الحظُ شررٌ من نجوم السعادة التي نعانقها في احلام الليالي ، وتفلتُ منا وتطير إذا ما فتح اعيننا فجر اليقظة ، ولكن الى اي مدى يتصل بنا ذلك الشرر ؟ هذا ما يقصر عنه ادراكنا .
الحظُ إلهٌ مجنحٌ ، سريع الجري والطيران ، يخفق بجناحيه هنا ويرفّ بها هناك ، والمحظوظ الذي يقع بصره عليه ، وتتمكن يداه من لمسه والاتصال به ...
ولكن هل الحظ عبدٌ لنا أم سلطان يتحكم بنا كيف شاء ؟
هل الحظ خادم أم مخدوم ؟ وهل هناك حظ في الحياة ؟...
هذا ما سأحاول ايضاحه على ضوء تأملاتي للحوادث المختلفة التي تمرّ متتالية في حياتنا اليومية ، دون ان نفقه مسبباتها والتي تصل في كثير من الاحيان الى ما يشبه الاساطير والخرافات ... اما ما أريد ان اعرضه ، فهو الحظ من خلال جهودنا وسعينا المستديم ، لا الذي نتوهم أنه يأتينا عفواً ونحن قابعون في زاوية منزلنا !..
الحظ طائرٌ لا يقع من ذاته فريسة لنا ان لم نعمل بشتى المحاولات على اقتناصه ! كم نسمع هذه الكلمة تتردد على افواه من حولنا ، دون الغوص الى عميق خفاياها ، وغريب ألغازها ...
فالبعض يعتقد ان الحظ أو المقدّر اشياء محسوسة ، فيكلون اليها سير حياتهم ، وهذا ما يقعد بهم عن السعي
وينحدر بهم في كثير من الاحيان الى التدهور العقلي ويقودهم الى الجمود الفكري وقصر النظر ، حتى انهم لا يعودون يبصرون ابعد من انوفهم .
فلا ننتظرنّ الحظ من عالم خيالنا ، أو من كوة في حائط منزلنا ، ولا يفكرن احدنا بان الحظ هدية الأب ميلاد التي تزعم للصغار بانها تنزل من المدخنة ، كلا ، فأن ازدهار حظنا مرتبط ارتباطاً وثيقاً بمدى سعينا واجتهادنا ، الحظ خيط مسحور تنسجه آلهة خفية ، وتكل الينا امر رمايته ، فكلٌّ من يتصل به خيطنا هذا من اصحابنا او معارفنا ، يصبح له يدٌ في تكييف حظنا ، فاذا عرّضنا انفسنا الى طريق الحظ ، يعني التعرّف الى مجتمع أوسع ، والاختلاط بشعب أوفر ، وعلى هذا المقياس يلتفت أحدنا ليجد نفسه محاطاً بنسيج من هذه الخيوط التي تجيء بالحظ من شخص لآخر . فالتعاسة وليدة خمول نفوسنا ، والحظ مقابل جهدنا واندفاعنا في موكب الحياة . ولنتمكن من المحافظة على خيوط الحظ من حولنا ، يعوزنا الحماس والتجدد الذي نسبغه على ذاتنا المعنوية ، وقوانا العقلية المفكرة ، التي تتدفق من منبع خفي كامن في بواطن عقولنا .
ولكم يعجبني ان أشبه حياتنا ببحر مترامي الأطراف ، ونحن بحارة مغامرون نخوض لجج مياهه العميقة ، باحثين عن الجديد ، فالملاح المندفع بحماس داخلي ، قائداً لسفينة نفسه ، تزيده الصدمات شوقاً لاقتحام الأهوال ، وتولد الحادثات في اعماقه حباً للحياة ، واندفاعاً في تيارها
فيعشقها على علاتها بما فيها من آلام وعذاب من حماقة وبطلان ، يجد لذة في التعرف الى اتجاهات سفن الآخرين ، وينمو في نفسه حب الاتحاد مع اخوانه بالانسانية لا ليطلع على آرائهم في شخصيته ، أو لغاية كامنة في نفسه يتوخى منها نفعاً مادياً ، بل ليكشف معالم نفوسهم وغرائب مخبآت صدورهم ، ويلج الى صميم حياتهم ، فيتعرف الى سبل تعايشهم ومسالكهم ، ويقف فجأة ليجد انه قد حاك بينه وبينهم نسيجاً من خيوط الحظ على غير قصد منه .
ان الجزع والبلبلة ينهكان قوى علاقاتنا بالآخرين ، ويفسدان صلتنا بمن نساكن ، فنرقب البلايا ، والشك بحال المستقبل وهذان يؤثران في الانسان تأثيرهما السيء ، ويجعلان منه شخصاً متشائماً غريب الاطوار ، متعكر المزاج ، وان اختيار مهنة ما ، أو هواية محبة هو خير طريقة لعلاجه ، وادخال السعادة الى قلبه . ولن احدد الحالات التي تنفذ فيها شرارة الحظ الى حياة المرء فتغير مجراها .
كثيراً ما يطغي الاعتقاد بالحظ والنصيب على الفكر البشري في حالات الحزن الشديد واليأس القتال ، وهذا ليس سوى عذرٍ يتذرع به المحدثون لتخفيف وطأة المصاب ورفع جزء من البلوى عن اصحابها ، فتعزيهم نوعاً ما اذ يرون ما انهم لم يكونوا الاولين ولن يكونوا الآخرين فيها حدث .
قال احد الادباء : « الحظ كلمة غامضة غموض النفوس الانسانية ، يتعزى بها اهل الارض جميعاً ، ويظهرون ايمانهم الفطري الذي لا بد منه للقلب » وهل ما كلمنا به السيد المسيح منذ قرون واجيال الا تطبيق فعلي لنظرية الحظ خلال الجهد والسعي ؟ وهل مثل الوزنات التي وزعها رب البيت على عبيده ، سوى تحريض لنا للجهاد والكفاح في سبيل ازدياد الامكانيات المادية والمعنوية التي وهبنا
