
س ٣ ـ نظرة سريعة على إمكانيات طلابنا في اللغة العربية تكشف عن حقيقة مؤلمة هي أن هؤلاء الطلاب يستسهلون اللغة الأجنبية ـ إنكليزية أو فرنسية ـ ويندفعون في درسها والتعمق فيها. أما طلابنا الذين يقبلون على تعلم العربية بشوق ورغبة، فهم قلة ضئيلة، أحاطتهم ظروف خاصة. ما هي برأيكم بعض المقترحات لتحبيب العربية إلى أبنائها وتقويتهم فيها؟
س ٤ ـ يلاحظ أن الطائفية في لبنان، اليوم، أقوى وأنشط مما كانت عليه، حتى في زمن الانتداب، فما هي برأيكم العناصر التي تغذي هذه التيارات السامة، وكيف السبيل إلى القضاء عليها، ونحن في مطلع هذا العهد، أشد حاجة إلى توحيد الصفوف وتضافر الجهود والسعي لمصلحة وطنية عامة هي فوق كل مصلحة؟

ج ١ ـ ليسمح لي أولاً بإبداء ملاحظة على السؤال. فإن تضاعف الفائدة لا يشكل نقيضاً للتقليل من أهمية الجرائد المعتبرة. هذا إلا إذا كان المقصود أن تكون كثرة الجرائد سبيلاً إلى تقليل اعتبار الصحافة برمتها. وليس ذلك واقعاً بالضرورة.
مما لا شك فيه أن تكاثر أي شيء من الأشياء يقلل من قيمة الواحد منه. وهو ما يسمى في حقل المال تضخماً. فالتضخم في نقد بلد من البلدان يخفض قيمة الوحدة من هذا النقد، لكنه لا يؤثر في خصائص النقد كأداة لا بد منها للحصول على الحاجات. وقد يقبل موسم التفاح مثلاً ويكثر في السوق فتهبط أسعاره، لكن ذلك لا ينقص من لذة التفاح ولا من خصائصه الغذائية.
ولنضرب مثلاً بشرياً. ففي بلد صغير كاللوكسمبورغ، يكثر عدد النواب مما يقلل من قيمة النائب الواحد ويخفف من أهمية صوته، لكن ذلك لا يقلل من قيمة البرلمان.
والصحف في لبنان كثيرة. وقد كان أفضل للصحفيين أن لا تكون بهذا العدد الضخم، فترتفع مواردهم وتقوى شوكة الواحد منهم، ويستطيع أن يدخل تحسينات مادية على صحيفته من حيث الحجم والنوع. وقد يسهّل وجود جريدة أو جريدتين أو ثلاث جرائد فقط تكوين رأي عام. لكن ذلك يجب أن يتم في نطاق الحرية المطلقة، أي دون تدخل الدولة ودون ضغط من أية كتلة مالية.
وهكذا أرى أن المسألة هي مسألة حرية أولاً وآخراً.
وليست العبرة في قلة الصحف أو كثرتها. إذ أن للكثرة فوائدها أيضاً. وهذا ما نلمسه فعلاً في لبنان، حيث لم تؤد كثرة الصحف إلى هبوط قيمة الصحافة كمؤسسة ديموقراطية ينعتونها بالسلطة الرابعة. فقد كانت الصحافة طليعة أكثر الحركات المباركة، وهي غالباً ـ أن لم نقل دائماً ـ ما تجمع على أمر حين يكون فيه الخير للشعب، تجمع على الرغم من اختلاف نزعاتها وألوانها وقيمها، ويكون لكثرتها عندئذ قيمة، إذ لا شك أن انتصار ثلاثين صحيفة مستقلة لقضية من القضايا هو أفضل من انتصار صحيفتين أو ثلاث. زد على ذلك أن اخضاع جريدتين أو ثلاث لسلطة أو كتلة أو شركة هو أيسر بكثير من اخضاع ثلاثين .. وليس من فضيحة يمكن أن تخنق متى كثرت الصحف.
والخلاصة أن جرائدنا الكثيرة العدد، الضعيفة كل منها على حدة إذا قيست بالجرائد الكبرى في العالم، هي أشبه ما تكون بالعمل اليدوي إلى جانب العمل الآلي، فيها فضل الإنسان على الآلة الصماء. أو قل أنها كالمطاعم الصغيرة التي يمتاز كل منها بصنف خاص إلى جانب المطعم الكبير الذي يقدم لك كل الأصناف بالطرق الأتوماتيكية ...
ج ٢ ـ هذا يتوقف على مدى تقدم المدارس الحكومية، وعلى إرادة الدولة في توجيه التعليم وتوحيده. وإذا كان لا بد من نبوءة، فإني أحسب أن أهمية المدارس الأجنبية والخاصة ستتقلص مع الزمن. وأرجو أن يتم ذلك في زمن غير بعيد لأني إذا كنت من أنصار الحرية المطلقة في الصحافة، فإني أؤمن بفضائل تربية موحدة موجهة تصهر المواطنين في بوتقة واحدة شريطة أن يكون التوحيد والتوجيه على أساس تقدمي.
ج ٣ ـ هذه الحقيقة المؤلمة أساسها مناهج التعليم، لا علة في اللغة العربية نفسها. ومهما يكن في العربية من مصاعب، فإنها بالنسبة إلى أبنائها أسهل من أية لغة أجنبية. ويكفي أن نخلق في أبنائنا مركب نقص تجاه لغتهم إذ نضعها واللغات الأجنبية على مستوى واحد في الصفوف الابتدائية، ثم على مستوى أدنى في الصفوف الثانوية والعليا. وإليكم بعض المقترحات التي من شأنها تصحيح الوضع:
أ ـ تعليم اللغة العربية وحدها حتى الشهادة الابتدائية، مع تدريس سائر المواد كالطبيعة والحساب بها كما يجري في كل بلدان العالم المستقلة.