كانت الساعة الرابعة صباحاً عندما انصرف آخر المدعوين. وكان جان بيرالدي وزوجته واقفين أمام شرفة قصرهما الرحب تبدو على وجهيهما آثار ابتسام مصطنع، ذلك الابتسام الذي تعودا على تكلفه أمسيات عديدة طيلة خمسة عشر عاماً من حياة لامعة.
لم يزل جان شاباً، وكان مستقيم القامة، نحيلاً في لباسه الأنيق. أما هي، فكانت إيطالية مشوقة القدّ، تشع جمالاً في ثوبها الأزرق الصافي. وكانت لآلئ عقدها تبرق على عنقها الشاحب وكأنها أصداف على الرمل. لم تكن تتحلى إلا بهذا العقد اللؤلؤي وخاتم الزواج الماسي. وبعد أن ألقت آخر سيارة أشعة فضية على نخلات الحديقة، دخل جان بيرالدي وزوجته الدار صامتين واتجها بخطى وئيدة نحو البهو الكبير الذي بقي مشعشعاً بالأنوار. فتوقفا أمام باحة الرقص التي كانت أرضها المطلية بالشمع تظهر آثار هذه السهرة المفعمة بالحياة والرقص والشامبانيا، وكانت هذه الآثار تشبه الأخاديد على وجه الشيوخ... فاستغرقا في حلم طويل، ثم ألقيا نظرة وداعية إلى السقوف المنقوشة والثريات والمرايا وابتعدا سائرين على رؤوس أصابع الأقدام وكأنهما يمشيان في دار فقيد! لقد كانت هذه السهرة آخر سهرة يقيمانها، وكانت تلك الليلة آخر ليلة يقضيانها في مونت كارلو، في هذا القصر الجميل حيث سعدا على طريقتهما كأناس دارهم الثراء، وحيث تقربا من أشهر الشخصيات العالمية وأغناها، من زعماء وأمراء وفنانين.
كانت الحقائب مصطفة في دائرة المنامة التي صعدا إليها... فبعد ساعات قليلة سوف تقلهما إحدى سياراتهما إلى القطار الأزرق باتجاه باريس لقضاء أربع وعشرين ساعة فيها لإتمام آخر الاستعدادات للرحيل إلى البرازيل حيث سيقوم جان بيرالدي بمهمة علمية كلفه بها أمير موناكو. ومن المحتمل أن لا يعودا ثانية إلى أوروبا، إلا إذا ابتسم لهما الحظ مجدداً...
لقد مرت أشهر ستة على إفلاس جان بيرالدي. وكان
الناس يعلمون أنه فقد ثروته في صفقة تجارية كبرى. وقد نصحوه بمبيع ما تبقى له من متاع وأملاك وقتئذ، حيث كان بإمكانه إنقاذ نصف رؤوس أمواله، ولكنه أبى وصمد كالمقامر الذي يشعر بأن الحظ بدأ ينزلق من بين أصابعه فيظل يتابع المقامرة ظناً منه بأن الحظ سيعود إليه في آخر لحظة.
كانت الصدمة قاسية جداً، فحاول آل بيرالدي إخفاءها عن الناس على قدر الإمكان. وقد سهّل لهم الأمر أحد الأصدقاء بشراء قصرهما في مونت كارلو مع محتوياته النفيسة، ثم مساعدتهما على بيع بقية ممتلكاتهما في باريس إلى أشخاص موثوقين. ثم ابتدع أمير موناكو المهمة العلمية التي تسمح إلى جان بالتواري كالشهاب المتلألئ وهو في عنفوان عزه، تلك المهمة التي تمكنه من كسب رزقه في البرازيل كسباً معتدلاً شريفاً - وقد آثر جان وزوجته الالتجاء إلى البرازيل على الذل والانهيار... وكان الناس يعلمون حقيقة الموقف تقريباً، غير أنه لم يتمكن إنسان واحد من ملاحظة أي تبديل طرأ على مظهر حياتهما في المدة الأخيرة، وكان هذا أهم ما في الموضوع بالنسبة إليهما.
ثم انقضت عدة أشهر على إخطار المصارف إلى جان بيرالدي بأن المبالغ التي تبقت لديه من جراء التصفية والتي سمحت له بحفظ التوازن في معيشته قد أضحت على وشك النفاذ. وكان ذلك في شهر أيلول بينما نشرت الصحف الكبرى أن رحيله إلى البرازيل سيكون في شهر آذار للقيام بمهمة علمية خطيرة... إنها لمشكلة كبرى! كيف يستطيعان المثابرة على مجرى حياتهما المرفهة حتى هذا التاريخ وسوف يقبل موسم الشتاء وتأتي معه الواجبات الاجتماعية والمصاريف التي لا مفرّ منها لإنقاذ المظاهر؟.. هل ستوفر ذلك بالاستغناء عن سيارتين من سياراتهما الأربع أو بصرف ثلاثة خدام من ثمانية؟ لذلك قررت كارلوتا بشجاعة أن تبيع مجوهراتها الثمينة لأحد كبار الصياغ على أن توصيه بالكتمان. وكانت مطمئنة إلى أن الناس لن

