يحضر انها بعد وصولها الى البرازيل . وفي غرفة انيقة من دارهما الجميلة المتواضعة كانت كارلوتا ترتدي ثوباً رائعاً احضرته من باريس خفية عن زوجها ، ولما دخل جان ورآها قال بصوت عال :
- انه لجميل رائع هذا الثوب ! وسوف تكونين اجمل مدعوة هذا المساء ايضاً ولكن ...
- ولكن ماذا ؟ ...
- ولكني لا ارى عقد اللؤلؤ .
- العقد ؟ ولماذا يجب ان اضع حليّة ؟ أليست الاناقة في الاقتصاد بالتبرج ؟ وأظن انه يجب ان اوهم الناس في هذه المدينة خاصة ، بأني املك مجوهرات عديدة لدرجة تجعلني أهملها واظهر في الحفلات بدونها ...
فوافق على رأيها غير انه قال باصرار :
- على كل حال اني ارغب في ان تضعي العقد ، لانه لا يشبه غيره من الحليّ .
- ولكني لا استطيع وضعه على عنقي ابداً .
فقال متجهما :
- لماذا ؟ لماذا ؟ هل ضاع منك ؟
فذهبت الى جارور صغير واخرجت منه علبة العقد وقدمتها الى جان قائلة :
- كلا ! لم يضع ، ولكن انظر ..
ففتح جان العلبة الجميلة بيد مرتجفة وظهر لعينيه العقد بروعة لآلئه وبريقها ، فتذكر انه بقي مدة عامين كاملين يجمع حباته الواحدة تلو الثانية بواسطة أشهر صائغ في باريس وتذكر أيضاً الفرح الكبير الذي غمر نفسه قبل حفلة زفافه باسبوعين حينما اكتمل العقد ورآه ممدداً باغراء في حجرته المخملية كما يراه الان . ثم أخذ العقد بين كفيه بحنان وبدأ
يتحسس حباته باصابعه وكأنه شيء حي . كانت كارلوتا تراقب حركاته بشيء من الحسرة فقالت له :
- والان ، هل فهمت لماذا لا استطيع وضعه والتزيّن به ؟
ولكن جان ظل مشدوهاً ينظر تارة الى زوجته وأخرى الى العقد الثمين ثم قال :
- كلا ! أقرّ بانني لم أفهم ما تقصدين
فامسكت بذراع زوجها ثم اقتربت معه نحو المصباح وقالت :
- انظر فيه جيداً !
فشحب لون جان بعد ان تفحص حبات اللؤلؤ على نور المصباح وصاح بصوت مبحوح :
- انه لمستحيل ! كلا ! ليس ذلك ممكناً .
فأجابته بحزن وأسى :
- أجل يا عزيزي ، إن حبات العقد اصبحت مزيفة لان الصائغ الذي باعك إياه اشتراه مني سراً بعد أن قلده لي ... ولهذا السبب وحده تمكنا من إنقاذ الموقف حتى اليوم .
- هذا هو سرّك إذاً ؟
- نعم يا عزيزي .
فقدّر جان التضحية الكبرى التي قامت بها كارلوتا غير انه تألم كثيراً لبيع العقد لانه تخيل أنهما باعا شيئاً من حبها وسعادتهما الماضية .
وكانت كارلوتا تفكر بهذه الناحية ايضاً ، فقالت له :
- أعترف لك بان بيع العقد آلمني كثيراً ولكن لم أجد حلاً آخر لانقاذ موقفنا ، انك تعلم أنه عزيز على قلبي ، ولهذا السبب وحده أردت أن أحتال على القدر ... فإن لآلئ العقد الان
كلها مزيفة كاذبة ما عدا لؤلؤة واحدة. أجل ، لقد حافظت على الذكرى الغالية التي يحملها العقد وذلك بوضع أجمل لؤلؤة فيه ضمن الحبات المزيفة وهكذا فقد ظل الرمز الثمين الذي يحمله محافظاً على مغزاه.
فأخذ جان زوجته بين ذراعيه وقبلها بحرارة معرباً عن اعترافه بالجميل فاردفت تقول :
- وقد تزينت به طيلة المدة التي كنا نمثل فيها دورنا ، ولم يخطر ببال إنسان ان كارلوتا بيرالدي يمكن ان تضع على عنقها عقداً مزيفاً . والان ، بعد أن انتهت التمثيلية بسلام لا يمكنني ان اضعه مطلقاً لانه من المحتمل جداً ان يقرأ الناس في عيني وفي ملامح وجهي انه عقد مزيف ...
وأغلقت العلبة التي تتضمن العقد واعادتها الى محلها في شيء من الخشوع ، فقال لها جان باعجاب :
- انك امرأة مدهشة . ولو لم احاول هذه الليلة فحص حبات العقد بدافع شعور غريب لما ساورني الشك في امره لحظة واحدة ، أنا الذي انتقيت حباته الاصلية بيدي واحدة واحدة ... فيا للوهم ما أقوى جبروته ! ..
فتأوهت وكأنها تحلم وقالت :
- الوهم ! كم من الناس يموتون منه ! أما نحن ، فاننا في عداد الذين عاشوا فيه حتى النهاية ... والان هلمّ نذهب إذا كنا نحرص على الوصول الى دار المحافظ قبل ان يفوت الوقت .

