ولدت فكرة المستشفى واتسع عمل البر وراح الاستاذ يبذل جهوداً جبارة لتحقيق هذا المشروع رغم ضخامة التكاليف . فقدم من جيبه ٥٠٠ ليرة ذهبية من اصل ثمن شراء قطعة ارض بجوار « دار العجزة » وراح يثير حمة النفوس السخية فانهالت عليه التبرعات وفي مدة ٨ سنوات من الكفاح المتواصل قام المستشفى وقد كلف مليوناً وربع المليون ليرة سورية واذا هو اعظم قصر في حي القصور .
دفعني حب الاستطلاع لزيارة هذا المستشفى الفريد من نوعه في بلادنا وما ان خطوت في بهوه المتسع حتى وقع بصري على لوحة رخامية حفرت عليها هذه العبارة المأثورة عن باستور « هل أنت عليل ؟ هل أنت يائس ؟ ليس لي ان أسأل عن عقيدتك ولا عن جنسيتك وعلى عن مذهبك . أنت تتألم ، وهذا يكفي . تعال لاضمك الى صدري ، تعال لاسعى أن اشفيك بكل ما اوتيت من علم وحب . » ما كدت افرغ من قراءة هذه العبارة حتى شعرت اني ضمن بناية لا من الحجر بل من الحب الانساني يسعى لتبريد آلام البائس والمريض دون تمييز بين الاديان والاجناس .
وحين طفت بين الغرف رأيت فوق كل غرفة تقريباً لوحة رخامية كتب عليها اسم المحسن او المحسنة اعترافاً لهم بالجميل . فعجبت لهذا العدد الكبير من النفوس النبيلة السخية التي لبت نداء الرحمة .
يتألف المستشفى من خمسة طوابق تحتوي على ١٠٥ غرف و ٣٥ حماماً عصرياً تدفأ جميعها بالتدفئة المركزية . وفي غرف الفحص احدث الآلات للاشعة المجهولة وطاولات العمليات وجبر
العظام . ويتسع المستشفى لـ ١٢٠ سريراً ، ٤٠ منها للدرجة الاولى و ٤٠ للدرجة الثانية و ٤٠ للدرجة الثالثة المجانية . ووسائط الراحة في جميع الدرجات واحدة ولا تختلف الدرجة الثالثة عن اختيارها سوى بعدد الاسرة والتي لا تزيد بحال من الاحوال عن ٣ اشخاص . وما تدفعه الدرجتان الاوليان انما هو لتأمين نفقات الدرجة الثالثة .
والحق يقال انه ليس لهذا المستشفى مثيل في بلادنا العربية اجمع وقد شهد بهذا الطبيب الافرنسي باستور فاليري رادو حفيد الطبيب الشهير باستور حينما زار المستشفى اذ قال : « اخشى ان ينافس هذا المستشفى احدث مستشفيات باريس ! »
خرجت الى حديقة المستشفى الجميلة وهناك رأيت تمثالاً للاستاذ صقال اقامه اعضاء جمعية الكلمة تقديراً لجهوده العظيمة وخدماته المخلصة .
ثم دخلت الى « دار العجزة » واذا هي دار كبيرة محاطة بالمخائل والزهور وكم طربت نفسي حين وقع بصري على عدد من العجائز قد تناثرن في الاروقة يستدفئن بنور الشمس . وعلامات الصحة بادية على وجوههن والنظافة والترتيب في ألبستهن وشعور رؤوسهن المكللة بالبياض الوقور . ودخلت غرفهن فرأيتها نظيفة انيقة والاسرة تعلوها اللحف والحرامات الناصعة البياض . ويبلغ عدد العجائز من الذكور والاناث ٥٤ شخصاً من جميع الاديان ولا يكلفون بان يدفعوا قرشاً واحداً او ان يقوموا بأية خدمات . ففي خدمتهم الطباخة والكناسة وكاوية الثياب وحتى الماشطة .
واذا كانت الدنيا خارج المستشفى
لهم جحيماً فدار العجزة لهم النعيم الواقعي . وقد اخبرت ان السيدة كيتا صقال زوجة الاستاذ تقوم بالسهر على راحة هؤلاء السعداء . وانها مع صديقاتها يأتين في كل مناسبة بالحلويات والمأكولات الفاخرة ويلبسن المآزر ويقمن بخدمة هؤلاء السعداء ويعملن كل ما بوسعهن من اسباب التسلية ما يدخل السرور والبهجة الى قلوبهم .
خرجت من هاتين المؤسستين وكلي دهشة وغبطة وافتخار بما شاهدت ، وزرت الاستاذ صقال بمكتبه لاستقصاء بعض المعلومات منه فقابلني بكل لطف ولما اطلعته على قصدي تلطف وأجابني على اسئلتي وفي صوته رنة التواضع والاخلاص والحزم والقوة .
قلت : ما دفعكم ان تتحملوا هذه المتاعب الجمة في سبيل هاتين المؤسستين ؟
أجاب : ذلك يعود الى الميل للعمل في الحقل الاجتماعي الذي ورثته عن والدتي .
- وهل نلتم رضا زوجتكم قبل الشروع بهذا العمل ؟ ...
- فابتسم وقال : وهل كان بإمكاني ان اشاكس امرأتي . بل اقول انه لولا تشجيعها ومؤازرتها فكرياً ومادياً لما استطعت ان اسير في خطتي .
- وما هي الوسائل التي استخدمتموها لجمع كمية من الاموال هذا مقدارها ؟
- لقد جندنا الادب فاقمنا الحفلات الخطابية للتحدث الى الناس عن مشاريعنا . واستخدمنا مجلة « الكلمة » التي كان لها الفضل الاكبر في إثارة الحمية والنخوة في صدور المواطنين المقيمين منهم والمغتربين . وقد يدهشك ان تعلمي ان من بين المحسنين السباقين اناساً عرفوا بالحرص والتقتير فقدموا لي « صرراً » من
