رأيتهما يتساءلان : راعية وراعياً ، عن الألم والفرح
قالت الراعية :
هذا السراب يبدو فيبهج .. ثم .. يندثر
وهذا النهار يبزغ فينير .. ثم .. يظلم
وهذا البحر يتأوج فيبهر .. ثم .. يزيد
وهذا الجدول يجري فينعش .. ثم .. ينضب
وهذا الورد يزهر فيطرب .. ثم .. يذبل
وهذا الكون يخلق فيؤمل .. ثم .. يميت . ألا يحزن ؟
هذي الحياة تمنح فتسعد .. ثم .. تسلب
وهذي السعادة تشرق فتسحر .. ثم .. تؤلم
وهذي النعمة تغدق فتسرف .. ثم .. تقتر
وهذي العاطفة تنبع فتعطي .. ثم .. تأخذ
وهذي المحبة تظهر فتشعل .. ثم .. تدمع
وهذي الدنيا تهب فتعمر .. ثم .. تخرب . ألا تحزن ؟
ألا يؤلم البحر سير ذا الركب
والفجر ودع النهار للغد ؟!
ألا يبكي الزهر تساقط عن عوده
وتلاشت الزنبقة من الحياة ؟
ألا يؤلم سلب السعادة من غنيها
وإضفاء الشقاء على طالبها ؟!
فكّر وتساءل معي .. كل ذا ألا يحزن ؟
فأجابها الراعي :
أختاه ما الذي يحزن ؟
أهذا السراب الذي يندثر ؟
هو غداً من لب الصحراء يعود ...
أهذا النهار الذي يظلم ؟
وفي الحلكة ترتعش النجوم ...
أهذا البحر الذي يزيد ؟
وفي ثورته ترقص الأسماك ...
أهذا الورد الذي يذبل ؟
وفي حمى الوردة تنام الطيور ...
أهذا الكون الذي يميت ؟
من أين لولا الموت هذا الوجود ؟
أختاه قولي ما الذي يحزن ؟
أهذي الحياة التي تسلب ؟
وهل عاهدت أن تصون العطا ؟
أم هذي السعادة التي تؤلم ؟
والألم نبراس الروح للشفاء ...
أم هذي النعمة التي تقتر ؟
والقلة والكثرة ناموس الوجود
أم هذي العاطفة التي تأخذ ؟
وترتد في الفكر ضياءً ضياء ..
أم هذي المحبة التي تدمع ؟
وفي الدموع قبلات الإله
أم هذي الدنيا التي تخرب ؟
من أين لولا الهدم هذا العمران ؟
أختاه ما الذي يؤلم في تسيير البحر للركب ؟
وغداً على أمواجه يستطيع الرجوع ..
وما الذي يبكي في تساقط الزهور ؟
وعلى أنقاضها تنعقد الاثمار ..
أختاه ! كلما ماتت زهرة جدد الربيع أزهاراً
وكلما تبخرت قطرة ، سكبت السماء عيوناً
فقولي : في كل ذا ما الذي يحزن ؟

