اسم له في النفوس منزلة . وفي القلوب محبة . يذكر فتذكر معه ذكريات الماضي واطياف للحاضر . اما ذكريات الماضي فهو ما كان عليه المستقبلون له من اعزازه والحفاوة به . واستقبله استقبالاً عزيزاً كريماً . لانهم كانوا يعرفون من امس انه شهر التوسعة وشهر العزيمة الصادقة لانه شهر الصوم وحرمان النفس من بعض ما تعودته ومنعها من قليل مما ألفته والوقوف في سبيلها حينما تريد ان تتفرد على العزيمة لترتكب امراً حرمه الصيام ، وتذكرها ان الصوم فوق انه حرمان للنفس فهو منع ايضاً للجوارح الكاسية عن ارتكاب ما تعودته . وما دام الصوم يقوي العزيمة الغالية ويبعث جانب المراقبة لله الذي فرضه فما يدعو اليه ولا يتم الا به ان الصائم يكف لسانه عن السوء والجبر به ونفسه عن التحدث بذكر او الاصرار عليه وعينه عن ان تمتد الى ما حرمه الله ، ويده عن ايذاء الناس .. وهذه كلها انواع لصوم هذه الجوارح . ويمتد هذا المنع مدة رمضان وهي شهر كامل يخرج منه الصائم وقد ألفت نفسه ما عوده رمضان ، فضلاً عما يعوده اياه من البذل للمحتاج ، والجود على المتفكف ، فلا نرى في اثنائه الا تقوية للاخوة الانسانية التي نبه النفس اليها الحرمان المفروض على الجميع فتمر صاحب السعة بحرمان لم يتعوده فانعطفت نفسه على من اصبح الحرمان شعارهم وخفت منهم الاصوات في خضم الحياة . فلم تنفذ الى سامع المترفين والاعتياء ، ولم يشمروا ان هناك من اخوانهم في الانسانية من هم في حاجة الى فضلات موائدهم والزائد من ما كلهم .
هذه ذكريات رمضان تمثلها عند ذكر اسمه وعرفتها في تاريخ القدامى من آبائنا واجدادنا .. اما اطياف الحاضر ، فهي صورة باهتة لرمضان الماضي فالقليل من الناس يستقبله وهو به مستبشر وعنه راض . والكثير منهم لا يشعر بمقدمه وان شعر به في احاديث الناس وذكريات الماضي فهو شعور المعرض عنه او الضائق به . نعم الضائق به لان الترف قد عوده ما عوده فكيف به يخضع لاحكام رمضان وحرمان رمضان وسلطان رمضان .. وماله ولهذه العبادة القاسية التي تمنعه من اطايب الحياة ومباهج الدنيا في نهاره ، وماله وقد وسع عليه يشارك غيره ممن ضاقت بهم الحياة ، او ضاقوا هم بالحياة .. نعم ماله ولهؤلاء وقد تعودوا قسوة الزمن وقسوة الناس . فلندعهم على ما هم عليه وان سخطت منهم النفوس وحقت القلوب ، وتميزت الافادة من الغيظ ، فلا سبيل لان يفرج عنهم .. ورباط الانسانية في نظر هؤلاء رباط لا يعطف القلوب او يرفق الشاعر . وانما هو رباط الاستبداد والتسخير ، وان جر هذا ما جره على الامة وعلى الناس .
وبعد فلي لنا ان نستقبل رمضان بما يليق ان يستقبل به ونجله موحداً لرياضة النفوس على الخير وحملها عليه حملاً ، وتعويدها اياه تعوداً ، واشعارها بمن الصوم في جميع اعمالها وتصرفاتها ؟ اننا لو فعلنا ذلك لظفرنا من النفوس بالخير كل الخير في رمضان وبعد رمضان . بالخير لها وبالخير للناس اجمعين .
محمد الشال






