هذه بعض آراء تطرق مخيلة الواحد منا في هذه الآونة من حياتنا الاجتماعية ، تبعثها فيها تلك الاضطرابات في مجتمعنا التي اثارتها عوامل عديدة من تطور وتقدم وتحويل في القوانين والحقوق . ولا أدعي انه سيكون منها فائدة خاصة واضحة ، ولكنني لا اجد ايضاً ما يبرر حجبها ، فلربما انبعث منها بعض بصيص من نور تستأنس به بعض الانفس فتصحبه معها في متعرجات طرقها الممتدة امامها الى غير أمد بيّن .
١
ان في خروج المرأة الى الحياة ، بل خروجها من الظلمة الى النور كما يحلو لبعضهم ان يصف الامر ، شيئاً تطرب له النفس ، لانه سيكسب الحياة العامة الواناً زاهية ومتعة افتقرت اليها زمناً طويلاً ، الا ان الحقيقة الجديدة ليست في خروج المرأة الى الحياة ، لأنها كانت فيها ابداً ، بل في أنها قد اصبحت مسؤولة عن امور كثيرة لم تكن تتحمل مسؤوليتها من قبل ، فقد كانت في السابق تتذمر من اوضاعها العائلية وتتبرم من مكانتها الاجتماعية وكلها ما فرضه عليها الرجل فرضاً وفرض معها آفات ما نتج وينتج عنها ، وعواقبها وعقابها ايضاً ، وما للمرأة في ذلك حيلة او قدرة على تجنب الآلام النفسية التي تحدثها تلك العبودية المعنوية .
ولعلنا نتوقع من المرأة منذ الآن ان تكف عن التذمر من ذلك كله وتنهمك في استغلال كونها مسؤولة عن نفسها - وعن المجتمع - فتفرض بدورها اوضاعاً تتحمل مسؤوليتها وعواقبها عن رضى وطيب نفس . فالمسؤولية حجة قوية بيد صاحبها ، لاننا لا نستطيع ان نحملها الا اذا رضينا عن الامور التي تتناولها وقبلنا بها وصار لنا حرية التصرف بها تصرفاً مطلقاً .. ولذلك فسوف يتطور نضالها من محدودية المطالبة بالحقوق السياسية الى لامحدودية النضال الانساني الواسع . فلقد كانت اعمال المرأة في معظمها حتى عهد قريب اعمالاً اقليمية متفرقة مبنية على تكتلات وجمعيات اقليمية او طبقية او مذهبية . ولربما كان ذلك كذلك لان الروابط العامة كانت مفقودة بفقدان الحقوق العامة بينهن . ولكنهن اليوم على وشك الدخول في معركة جديدة تجمعهن على صعيد واسع عام ، تلتقي عنده المتعلمة بالأمية والغنية بالفقيرة والشمالية بالجنوبية . وعليها ، فيما ارى ، ان تفهم هذه الحقيقة الجديدة وان تستمد منها حق النضال وتستوحيها في رسم الاهداف وتوضيح الغايات التي ترمي اليها ... وهذا التفهم جزء اساسي من المسؤولية الجديدة .
٢
وهي في عملها هذا بين امرين لا بد لها من الاهتمام بها والاستضاءة بنورهما . فهي أولاً امرأة . واشد ما يخاف عليه الواحد هو ان تطفر بها حريتها المستحدثة ويجنح بها ميدان نضالها الجديد فتنسى في خضمه المتقلب خصائصها التي اعتبرها اهم من أي شيء آخر . وهذه الخصائص هي خصائص الانوثة في المرأة التي تحتاج اليها الحياة العائلية والاجتماعية - بل وكل انواع الحياة الاخرى ايضاً - اكثر ما تحتاج الى نضالها . وانا لا اقول ذلك اعتباطاً وعلى غير هدى ، بل اقوله مدفوعاً بملاحظات عامة . فالمرأة تطمح نفسياً في كثير من الاحيان الى مجاراة الرجل ، ثائرة على انوثتها وعاداتها . وينبعث هذا عن عقدة نفسية مطمورة في اعماق نفسها ، شدت وثاقها تربيتها البيتية والتاريخية ، ولكننا نرى آثارها في اثواب رموز وعوارض تنم اما عن نقمة دفينة في النفس على اتخاذ الرجل مثلاً للانسان عامة فتتشبه به ، او عن شعور بالتحدي والمنافسة بينها
ان نذكر ان نضالها السابق كان يتصف في كثير من الاوقات بطلب المساواة مع الرجل، كأنه هو هدفها. وقد لا يصح هذا على جميع اللواتي عملن في ذلك الميدان. وهو في الواقع لا يصح عليهن جميعاً قط ، ولكنه كان واضحاً في اعمال الكثيرات على كل حال ... أما كان من الممكن للمرأة ان تتخذ الانسان الحر مثلاً هدفاً لنضالها بغض النظر عما للرجل كرجل من سلطة او حق ؟ ... كلا ، ان ذلك لم يكن ممكناً قط ، لانها كانت آنئذ تعمل اجتماعياً على نطاق محدود ، مفكك ومبعثر ... وبخضوع تام للاوضاع الراهنة .
٣
فبعد ان تحافظ المرأة على انوثتها - ومن الاصلح لها ان تفعل ذلك ولو اضطرت الى التضحية بماديات كثيرة ( لانها سوف تعلم يقيناً ان اطمئنانها النفسي لن يكون بغير ذلك ) - تنتقل الى نضالها الاكبر ... وهي في نضالها الاكبر على صعيد واحد مع الرجل ، ولذا لم يعد في عرفي من سبب يحملها على ان تقتصر عملها على نفسها وضمن نطاق نسائيتها ... ان النضال الاكبر هو نضال العنصر الانساني الذي يكمن فيها ، وهو كذلك عند الرجل فلا عجب إذن ، اذا ذهبنا الى ان النضال
