

اغلقت « زاهية » باب البيت وراءها في عنف ومسحت دموعاً حجبت عنها الطريق . وحاولت تركيز افكارها على مواد الموضوع الجديد الذي ستشرحه لتلميذاتها ، ولكن افكارها تمردت في عناد
ووثبت عائدة الى البيت حيث تعقد قسوة الحياة سحباً كثيفة من دخان الألم تخنق النفس وتحرق العيون !
لمَ هربت أعوام السعادة التي نعمت بها طفلة وحدثة مع امها واختها فجأة وبضربة صغيرة من يد القدر ؟ لمَ كشرت تلك الليلة المشؤومة عن أنيابها ، ليلة وقعت تلك الاخت الحبيبة من على السلم وتلقتها الارض بصدرها الصلب جسماً مفككاً ؟ لمَ لم يتدخل القدر ليصلح ما أفسد ويعمل في الخفاء مع مبضع الجراح فيعيد الى ملك نعمة المشي والقفز واللعب ؟ ولمَ لم يكتف بذلك بل أبدل نفساً بنفس وشخصاً بشخص ؟ أخذ المعذبة الشابة اليوم ، هي « ملك » ، طفلة الأمس الضاحكة اللعوب تحمل شقاء الايام على كفيها وتصعد درج الحياة بحمل من المرارة والحرمان ثقيل ؟ أين ذهبت تلك النظرة الصافية من العينين الناعستين ؟ هل جفت مع الدموع واستقرت على صفحة العين ظلاً قائماً مريراً ؟ نعم ، فمنذ ان عادت ملك من المستشفى واستقرت في البيت على مقعد ذي عجلات ، وهي تتكلم بلغة الصمت احياناً كثيرة . وحاولت الام والاخت ، بعث العزاء الى نفسها وتسليتها بكل ما حوت نفساهما من جهد وصبر ، وضحت زاهية بايامها لتملأ لأختها فراغ حياة حائرة هائمة لا هي حياة ولا هي موت . ولكن بعد مضي عامين عرفت ان ما فعلته من اجل اختها كان دواء ينسكب ويضيع ويروي الارض بدلاً من ان يشفي نفساً جافة عصرتها يدُ حاملتها . حينئذ عادت الى نفسها وتذكرت ان لها حياة تطلب السلوى والانطلاق ، فحولت دفة نشاطها نحو مهنة التدريس التي تحبها بعد أن وجدت انه من العبث ، بعث ابتسامة ولا راهنة على شفتي « ملك » التي اقامت بينها وبين اختها وامها حاجزاً منيعاً من الجفاء والانزواء ، وطالت مع الايام نظراتها الحانقة الحاسدة الى اختها وحملت معاملتها لها صورة القسوة والفظاظة وقابلت « زاهية » كل ذلك بنظرات صامتة حزينة وكلمات عطف ورعاية كانت تزيد من سخط المقعدة وحقدها . واصبح جو البيت جحيماً لا يطاق مكهرباً أبداً بالاحاديث الجافة المرة ! ...
ووصلت بوصول افكارها عند هذا الحد الى شارع المدرسة وتوقفت تنتظر مرور سيارة مسرعة لتعبر الشارع ، واذا بطفل
صغير لا يتجاوز السنتين يمر راكضاً محاولاً عبور الطريق وصرخت فيه منادية وهي تعدو خلفه وأمسكته في الوقت المناسب قبل ان تمسك السيارة باطراف حياته ، وعادت به الى الرصيف وهي تحاول تخفيف حدة بكائه .
وأذ أحست بشخص يقترب منها ، استدارت بسرعة فرأت شاباً وسيما يظهر الاضطراب الشديد على قسمات وجهه يقبل نحوهما راكضاً . فقالت له بسرعة وهي تبتسم :
« لا تخف انه بخير حال » .
« كدت أجن رعبا وانا أراه يكاد يداس . كيف استطيع ان اعبر لك عن مبلغ اعترافي بجميلك هذا يا آنسة ؟ »
وهز قلبها كلامه ! ان الطفل ولده ولا شك وفلذة كبده وأطرقت برأسها وأجابت :
« وهل يستطيع احد ان يقف مكتوف الذراعين امام موقف كهذا ؟ اني لسعيدة اذ استطعت ان أرد اليك ولدك » .
وود قلبها لسبب خفي ان يقول انه ليس ولده بل ابن اخته او ابن الجيران ، لالكنه أجاب مبتسماً :
نعم ، انه ابني وكل ما أملك .. ثم تابع : « ان سيارتنا قريبة من هنا وحبذا لو تسمحين لي بايصالك الى المكان الذي تقصدين » وهزت رأسها وهي تحاول اخذ صورة لوجهه الذي سيختفي من حياتها بسرعة مثلما ظهر :
« اشكرك اني اقصد المدرسة وهي في هذا الشارع . طاب يومك وحفظ الله لك طفلك الوحيد » .
*
لم تدر لمَ لم تستطع وهي في الصف تركيز ذهنها في الموضوع الجديد مرة اخرى . ووثبت افكارها عائدة الى الرصيف حيث تركت الاب وابنه . وماذا عن زوجته ؟ هل هي جميلة ؟ هل هي سعيدة ؟ وخجلت من نفسها ومن غرابة هذه الاسئلة . وعندما خرجت من المدرسة عصراً ووجدته في السيارة ينتظر خروجها ، لم يسعها سوى قبول دعوته لايصالها الى البيت ودار بينها حديث طويل عرفت منه انه فقد زوجته اذ توفيت اثر وضعها لطفلها وانه يعيش مع امه والطفل ويعمل مديراً لمحل تجاري ، وحدثته زاهية بدورها عن عملها في المدرسة وعن امها واختها التي احنت رأسها ببطء وأطبقت شفتيها على صمت عنيد .