ونمت مع الأيام صداقتهما وأينعت فأصبحت حباً متبادلاً عميقاً محا الظلال عن حياة زاهية وأنار وجهها بنور الهناء. وذات يوم طلب «كريم» يدها للزواج فأعطت موافقتها بكلمة صغيرة تمتمتها وهي مخفوضة الرأس ملتهبة الخدين وطلبت منه أن يعيد طلبه هذا على مسامع أمها التي ابتسمت ابتسامة الأم السعيدة وباركت الخطوبة. ولم تفت «زاهية» الشهقة التي جاءت من ناحية المقعد الساكن فركضت إلى اختها وقالت وهي تعانقها:
«ملك» إني سعيدة فهنئيني يا اختاه!
وأدنت المقعدة شفتيها من جبين اختها ولمسته لمساً، ورمت تلك القبلة الخاطفة الباردة، القشعريرة في جسم زاهية. فحدقت في اختها وسرعان ما أدارت وجهها وهي تضم قبضة يدها في عنف وعصبية! ما أكثر ما تحمل عيون «ملك» من حقد وكراهية وحسد! وإن رأى «كريم» كل ذلك فإنه لم يعلق ولم يتكلم. ونشر صمت مريع أجنحته على رؤوسهم، فانسحبت الأم ببطء ووهن، واستأذن «كريم» وتبعته زاهية إلى الباب وعندما عادت وقفت تنظر إلى اختها وتتأمل نظرة الفوز والانتصار التي كانت تلتمع في مقلتيها. فقالت وصوتها يرتجف غضباً:
«لماذا تعذبين نفسك وتعذبيننا يا «ملك»؟ ألا تتمنين لي السعادة؟ على كل حال لن تفلح طرقك هذه بتحطيم سعادتي وسأشرب كأسها حتى الثمالة!..
أسرعت إلى غرفتها وألقت بنفسها على السرير تئن أنيناً مكتوماً...
*
أسرعت «زاهية» عائدة إلى البيت بعد يوم امتحانات حافل بالمدرسة، تأخرت فيه عن موعد عودتها. ابتسمت
في حياء وهي تفكر في «كريم» الذي ينتظرها في البيت ومعه حلقة صغيرة لامعة، سيربطها معه برباط مقدس من ذهب! وعند دخولها البيت استغربت عدم وجود «كريم» وأمها فسألت «ملك» باستغراب:
ألم يأت كريم اليوم إلى هنا؟
وضحكت ملك ضحكة عصيبة قصيرة وأجابت: «لقد كان هنا وذهب وأظنه... لن يعود...».
وتطلعت إليها زاهية في تساؤل وسألت بجنق: «ما هذه الأحاجي؟ لِمَ لم ينتظرني؟».
وأجابت وعيونها تبرق بريقاً غريباً: «قلت لك إنه لن يعود لا غداً ولا بعد عام، وقد كلفني أن أبلغك كلمات الوداع، وترك لك هذا الخاتم للذكرى! وأردفت وهي تضحك: «ما أسرع ما تحطمت كأس السعادة التي كنت ستشربينها حتى الثمالة!».

