١ - محمد نجيب :
لم يرق لي محمد نجيب فقط لانه رجل الساعة ، ولان اسمه اصبح في الآونة الاخيرة على كل شفة ولسان ، ولانه محرر البلاد المصرية ومنقذها من عهد الطغيان والاستبداد ... ولم يرق لي محمد نجيب لانه سياسي محنك ، ووطني نزيه مخلص لامته وبلاده ، ائتمنه الشعب المصري للذود عن حقوقه وصيانة حرمته وسيادته ، فقام بالواجب على خير وجه ...
اقول لم يرق لي محمد نجيب فقط لانه هذا او ذاك ، بل اني احببت محمد نجيب ، كرجل ، قوي الشخصية من غير سيطرة او خشونة ، مهيب الطلعة من غير كلفة او قسوة ، يشيع حوله جواً من المرح والالفة والمحبة ... كنت اشعر برهبة رهيبة قبل الدخول عليه ، ولكن ما ان احتوانا المجلس ، حتى زال ما بي من تهيب وحياء ، وفارقتني تلك الكلفة التي اسبغتها على نفسي ، وانطلقت اتكلم واتكلم عن مصر ، والشعب المصري النبيل ، وآثار مصر القيمة الثمينة ، وحب اللبنانيين لمصر والمصريين ...
وتحدث هو الي ايضاً حديثاً طويلاً ، وكانت الكلمات تنساب من بين شفتيه
طليقة حرة ، عذبة طلية ، وكان وجهه لا ينفك يفتر عن تلك البسمات العريضة تشع في انحاء وجهه ، فتسبغ على سمته لوناً محبباً قريباً الى القلوب ...
٢ - يوسف السباعي :
وعلى رابية متعالية شامخة ، تشرف على القاهرة الفسيحة المنبسطة ، حيث يربض المتحف الحربي المصري ، لقيت يوسف السباعي ... ولا اخال احداً منا يتساءل عمن هو يوسف السباعي .. ذلك القصاص الذري ، قصاص القرن العشرين ، الذي وان لم يتجاوز حتى الآن الخامسة والثلاثين من العمر ، قد اخرج الى العالم ستة وعشرين كتاباً ، وكلها كتب قصصية ناجحة ، فيها القصة القصيرة الدقيقة التحليل ، والعميقة المعاني ، والبديعة الصور ، وفيها الرواية الطويلة ... ويعد يوسف السباعي من رواد القصة العربية الطويلة ، واول من حاول الكتابة فيها فاجاد ... وكتابان « اني راحلة » و « بين الاطلال » يعدان من اشهر الروايات ، التي بوسعها ان تقف جنباً الى جنب مع اشهر الروايات العالمية ...
ويوسف السباعي لا يكتب الا ما يحسه ويشعر به ، فقصته كلها ترتكز على تجربة عاشها هو او احد من الناس ... وللخيال في قصصه نصيب وافر ، غير انه خيال واقعي بناء ، يجعلك تعيش القصة التي تقرأها ، وتحسها في دنياك وواقعك ، لا قصة تحلق بك في السماء السابعة ، فتنسى الارض ومن عليها ...
ويدعوك يوسف السباعي الى تناول الغذاء على مائدته ويلحف في الطلب ،
فتنزل عند مشيئته وانت اشد ما تكون رغبة في تلبية دعوته ، رغبة منك في الاستزادة من حديثه الطلي ومجلسه العامر.
وعلى المائدة ، لقيت بيسه واسماعيل ووالدتها ... وحينئذ فقط شعرت بان هناك سعادة حقة في دنيانا هذه ... كان البشر والمرح والطمأنينة تطل عليك من كل عين وكل شفة ولسان ... فيوسف السباعي ، يحدثك وهو متهلل مستبشر ، وامرأته تجاذبك اطراف الحديث فتسألك عن لبنان الجميل ، والابتسامة تشع في حنايا وجهها وتنفذ من عينيها ، وبيسه واسماعيل ... هذان الحملان الوديعان ، وقد جلسا متهللين فرحين ، يجيبان على اسئلة الزائرين بكل ما تحتويه طفولتهما من براءة وفطنة وسرعة خاطر ...
وبعد فماذا اقول عن هذه العائلة المثالية ... فربة المنزل اجمل سيدة


