٣ - محمود تيمور :
لا شك ان كلاً منا قد قرأ الشيء الكثير من قصص محمود تيمور ... رائد القصة العربية الحديثة ، بل محبيها ومبدعها ... ولا شك ان كلنا قد اعجبنا بفن هذا الرجل الرفيع ، وبتحليله الدقيق ، وبحوادث قصصه المبتكرة ، ثم بهذا الاتجاه الحديث الذي اتجه به في القصة العربية ، وبهذه الالوان المحلية التي ادخلها على قصته ، فاتسمت بطابع خاص جميل ... غير ان احداً منا لا يعرف تماماً من هو محمود تيمور قبل ان يلقاه ويتعرف الى شخصيته ...
محمود تيمور من هؤلاء الاناس الذين يرتاح الانسان الى التحدث اليهم ، فهو هادىء الطبع ، رصين العبارة ، وعلى الرغم من تقدمه في السن ، تلوح عليه امارات الرسامة التي لا تخفى على المدقق البصير ...
ولا يكاد يتعرف محمود تيمور اليك ، ويعرف انك من لبنان ، حتى يفتح مذكرة له ، احتفظ بها في جيبه ، ويضفي بتعداد طائفة من الاسماء اللبنانية ، التقى بها وتعرف اليها ، ثم توثقت بينه وبينها عرى صداقة متينة ، فهو يحب اللبنانيين ، ويفخر لهؤلاء الاصدقاء من القطر الشقيق ... ولا ينسى ان يسألك عن اسماء بعض الطلاب الذين استشاروه في كتابة اطروحاتهم في القصة والادب ، فهو يود لو ان عدداً أوفر من اللبنانيين يتصلون به ويوثقون عرى المودة معه ... ثم لا يلبث ان يضيف اسمك الى طائفة الاسماء مع ادريسك بعد ان يعد بالكتابة اليك ... وترتاح انت لهذه المودة الصافية
٤ - مصطفى امين :
لم اعجب بمصطفى امين ، لان جثته الضخمة قد لفتت ناظري ، او لان صيته كصحفي لامعٍ قد استحوذ على تفكيري ، بل لان مصطفى امين ، كان خير مرافق لي في طريقي الجوي الى القاهرة ، وقد قام ابان ذلك بمهمة الدليل على خير وجه ، فهداني الى الاماكن الجميلة التي بوسعي زيارتها ، كما انه رغب الي ان ازور دار اخبار اليوم لاتعرف الى الصحافة المصرية باجلى مظاهرها ... وقد شئت ان اغتنم فرصة وجودي معه في الطائرة ، لأفتح معه محضر تحقيق طريف ، ساطالعكم به على صفحات هذه الصحيفة في عدد قادم .
ومصطفى امين على نقيض مما يوحي به مظهره الخارجي ، محدث لبق ، سريع البديهة ، ظريف النكتة ، لطيف المعشر .
وقد وقعت لي معه حادثة طريفة ، سببت لي كثيراً من الضيق والحرج ، وان كان الجرم لا يقع علي وحدي انما تشاركني فيه تلك الطبيعة التي شاءت ان تأتي بالعجائب ، فتدفع الينا بتوأمين متشابهين تماما وفي كل شيء ، حتى ليعجز الانسان عن التمييز بينهما ، كمصطفى وعلي امين ..
عندما هبطت الطائرة ، ودعت مصطفى امين بعد ان وعدت بزيارته ، وكان في استقباله على المطار شقيقه علي امين ... لم ادقق النظر كثيراً في ملامح هذا الاخير لارى الفارق بينهما ، اذ ان ازيز الطائرة كان يطن في اذني فيعتورني شيء من الدوران .. على اني
رأيت انهما يتشابهان كثيراً ...
ومرت بضعة ايام على وصولنا ، وقصدنا الاوبرج ، لقضاء احدى السهرات ... وخيل الي ان مصطفى امين يدخل الصالة بمرافقة احدى السيدات ، ولفت ، نظر الصديقات المرافقات اليه ، فاذا بهن يقهقهن قائلات : ألا يمكنك بعد ان تفرقي بين علي ومصطفى امين ... ان هذا القادم هو علي امين ... وسكت انا مقتنعة بصحة قولهن ... ومر امامنا الرجل ، فرحت اتفرس في سحنته ، لأرى ان كان هناك ثمة فارق بين هذا الشطر من التوأمين ، وبين ذاك الذي التقيت به على متن الطائرة ، فما كان منه الا ان ابتسم وهو يقول : مساء الخير يا آنستي ... لا اظنك تنسين رفقاء الطريق بهذه السرعة ... واجتاحت وجهي موجة من الخجل ، ووقعت في مأزق لم ادر كيف اتخلص منه الا بقولي : اعذرني ، الحق ليس علي بل على هؤلاء الرفيقات اللواتي اوهمنني بانك الشطر الآخر من التوأمين .. وضحك عالياً وهو يقول : تباً لهذه الصدفة القدرية ، كم توقعني في مآزق ، وتكبدني من خسائر ...

