أن يلجأ إلى إيهام التلميذ بأن عليه درسا سوف يؤديه في الغد، بل عليه أن يحبّب إليه ذلك الدرس عن طريق الاستهواء. وسأبين بهذه المناسبة طريقة اتبعتها بنفسي وجربتها مع تلميذات السنة الابتدائية الثانية فكانت النتيجة مرضية بل ومدهشة.
لقد اتبعت أول ما اتبعت طريقة تصحيح الألفاظ المحرّفة لجميع الكلمات التي يمكن أن تحتاج إليها الصغيرات أثناء وجودهن في غرفة الدرس وفي الملعب. مع المعلمات ومع زميلاتهن.
حتى إذا توفرت لديهن المفردات اللازمة أخذت وأياهن في جمع الكلمات جملاً، وكان ذلك شيقاً لدى الصغيرات لا صعوبة فيه ولا التواء لأنه أقرب ما يكون إلى العامية ولأنه فتح أمامهن مجالاً للأخذ والرد فأرضى طبيعتهن الجدلية.
وعندما تأكدت من استيعابهن التراكيب الصحيحة أخذت أمرّنهن على الكتابة أي التعبير عما يردن وما لا يردن. ويا لصرير تلك الأقلام على الألواح الحجرية ويا لجمال تلك الوجوه المتحمسة والعيون المشعة حينما تلقّين أول درس كتابة.
وقرأت الأفكار الساذجة الحلوة وطفرت من عيني دمعة، دمعة لا أعرف أهي من حق هذا النشء الذي أحب وأشقّ له الطريق أم من حق اللغة التي يستهويني كل ما فيها، أم من حق الأدب الذي هو كل متعة الأديب في الحياة..؟
أجل لم أعرف وإنما عرفت أن الفصحى في العربية ليست كما يتبجح الكثير من أبنائها أو من غير أبنائها. فهي ليست صعبة المأخذ كسواها من اللغات بل على العكس لينة العريكة
سلسلة الانقياد، وعلى هذا الأساس رحت أبني تجاربي وطلبت إلى صغيراتي أن تهيئ كل واحدة منهن دفتراً صغيراً يسجّلن فيه مذكراتهن اليومية ووعدت المجلاة بهذه المذكرات إضافة ست علامات على علاماتهن المخصصة للغة، وأخذت أمرّنهن أياماً ثم أعطيتهن أنموذجاً بسيطاً وتركتهن أياماً أخر، ولما رجعت إليهن وجدت بين يديّ أمثال هذه النماذج البسيطة لبنات ست وسبع وثمان، وهذه أحداها:
«الساعة الرابعة مساء، ذهبت اليوم إلى المدرسة فرأيت المعلمة وكانت غائبة سبعة أيام فرحت بها وقلت لها صباح الخير وعندما دخلت الصف تقدمت منها وأنا خجلة وقلت لها الحمد لله على السلامة».
أما الثانية فكانت هذه:
«بينما كنت أمس مساء ذاهبة إلى البيت وجدت فقيرة مزقة الثياب ومعها طفل صغير، مدت لي يدها تطلب حسنة رقّ قلبي وأعطيتها خرجي حتى تنفقه على ابنها. يا رب لا تجعلنا نحتاج الناس!»
وهذا أنموذج آخر أرسلته لي تلميذة نجيبة اضطرها مرضها إلى ترك المدرسة لبضعة أيام فلم تجد بأساً من إرسال مذكرتها لي وهذه هي:
«أنا مريضة، أوصاني أبي أن لا أترك سريري فأطعته لأني أحبه كثيراً، إلى جانبي على الطاولة لعبة أختي وأشياء من الحلوى وبعض الصور، ولكن كل هذا لا أحبه الآن لأنني مشتاقة إلى المدرسة فمتى أشفى؟»
هذا الكلام بسيط في تركيبه، ساذج في ألفاظه وهو من قلب العامية ليس فيه من رواء الديباجة وجه ولا من سحر الألفاظ كلمة. ولكن فيه ذلك التعبير الصحيح وهذا وحده كل ما نريده مبتدئين. حتى إذا ما تشبع التلميذ مطالعة توسعت مداركه وصقلت ديباجته
وأضحى بإمكانه أن يعبر عن أفكاره بلغة أفصح وبيان أقوم دون ما مشقة أو إجهاد.
وهنا يأتي دور وزارة التربية. فعلى عاتقها تقع مسؤولية كبرى، مسؤولية لغة شعب له تاريخه الذي يتصل بتاريخها فعليها إذن لتقوية اللغة أن تعدل برامج الدروس فتجعل للغة وحدها نصف التوقيت الأسبوعي، والنصف الآخر تتركه للمواد الأخرى. وعليها أن تضع بين أيدي الطلاب مكتبات عديدة يرجع إليها الطالب كلما وجد متسعاً من الوقت للمطالعة دون أن تتقاضى مقابل ذلك ثمناً. وعلى موظفي تلك المكتبات أن يكونوا على اتصال دائم بما تلفظه المطابع من جديد جيد في العربية.
وعلى الوزارة أيضاً أن تزيد على ساعات فراغ معلم اللغة ساعات إضافية ليتمكن من تحضير الدروس تحضيراً متقناً ومن درس كل طالب على حدة ليقوم لغته ويشرح له ما غاب عنه في دفاتره أو في مذكرته، فلا تجيء شروحه فورية كالتلميح ولا مقتضبة فيساء فهمها.
وعليها أن تفرض ساعات المحادثة فرضاً على جميع الصفوف، إذ بالمحادثة تقوم اللغة وعليها يتوقف شغف التلامذة بالعربية: فمن تلخيص لكتاب، إلى رسالة لصديق إلى محاورة بين طالب وطالب، إلى استعراض لأبيات من الشعر، إلى مناظرة بين رأي ورأي إلى آخر ما هنالك من مقويات ومحببات.
وعليها أيضاً أن تفرض تدريس القرآن كلغة لا كدين، وأن يكون على أيدي أدباء وليس مشايخ، أدباء تتوفر فيهم ثقافة القرآن وبلاغته وإعجازه، لأن القرآن وحده هو الذي يعود إليه فضل حفظ اللغة العربية طيلة هذه القرون من الاندثار والتواري.
وأما الحكومة فمن واجبها أن تفرض
