تشير الصور المتحركة الى مرور الزمن ، بتقليب صفحات التقويم اليومي أو تعرض نثرات ثلج تذوب على افواه براعم التفاح ؛ ولكن الحياة الواقعية غير هذا . فإنك تسيرين بهدوء وتأمل ، غير مبالية بالتغيير الذي قد يطرأ على مظهرك دون ان تنتهي اليه ، حتى تصلي الى يوم تقفين فيه ملتفتة الى عشر سنوات خلت ، فتزفرين زفرة عميقة حين يطرق سمعك وقع هذه العبارة : « غداً تصلين الى سن الثلاثين » فتسألين بدهشة : من ؟ أنا ؟ لم ، قد يكون هناك خطأ عليّ ان التفت اليه ، فهذا يحدث لغيري من الناس !!
عندما تصبحين في الثلاثين من عمرك تحسبين انك انتهيت من متع الحياة ، فتتأوهين قائلة : بالامس فقط ، كنت في العشرين من عمري ، ولا يمكن ان اكون في الثلاثين بعد ، فأني غير مستعدة وهذا يبدو بعيداً عني كل البعد ، اذ لا ازال اشعر بقوة واندفاع وحيوية ، كما اني ارقب مباهج الحياة من صداقة ومحبة وجمال تتبلور امامي ، وبفكري خاطر يدفعني الى تغيير العالم باسره ، فمن اين يأتيني هذا الهمس الغريب ؟...
ان شبح الثلاثين يبدو غريباً لناظري ، كما انه يشعرني احياناً بكآبة عميقة ونهاية لأشياء لن تعود ، وهذا الشعور بالنهاية لم أحسّه وانا في العاشرة من عمري حتى ولا في العشرين ، ففي العاشرة كنت طفلة مرحة ، والحياة تنبسط امامي سهلة هانئة ، فالهموم لم تثقل كاهلي بل كانت تحل مكانها نزوات الحداثة البريئة .
في العشرين يكون فكر الفتاة في قلبها ، فلا تبالي بالتغيير الذي ستواجهه
بعد ترك المدرسة ، فكل ما عليها ان تعلم آنذاك ، بانها نمت بسرعة ، مسحورة بجمال الحياة ، محاطة بالآمال العذاب ، وفي الواحدة والعشرين تراها واثقة من شخصيتها تناقش كل موضوع باهتمام ، وتبحث كل حديث يبسط امامها ، فهي تحاول كشف القناع عن وجه الحياة ، لتعمل إما للعيش او للغناء ، فالحب يكون نعيمها أو جحيمها ، والحياة تبدو لها باسمة ، أو تقلب ظهر المجن ، والعالم باسره يظهر بمنظارها أسود او ابيض ولا وسط للطرفين .
بعد غد ، عليّ ان افكر برأسي لا بقلبي ، وهذا أعسر سبيل أسلكه فيما تبقى لي من هذه الرحلة ، فميلاد الثلاثين أقسى يوم يمرّ بي ، اذ بقدومه سأترك كل حقوقي السابقة ، واهمل كل شيء كنت أرقب امكانية حدوثه ، وأقف فجأة لأنظر الى لا شيء سوى نفسي للمرة الاولى ، فالنهاية لم تعد بعيدة بل متوقعة كما ان الاقوال العذبة تصبح مملة في نظري وتهرم البسمات ، وتشيب الآمال النضرة اذ لا ترفقها تلك العبارة الرنانة : « وهي ما تزال حديثة السن ايضاً » .
غداً ، سأقف على قدم المساواة مع العالم البالغ ، ولا مناص لي من تلك الوقفة فلا شيء مرتقب ستسفر عنه احلام الحداثة ، ولا وقت لزيادة معلوماتي ، قد اتظاهر بالطفولة بعد هذه الليلة ، ولكني لن اكون طفلة كما ازعم ؛ فما هو السر الذي يقيم هذه الفوارق بين هذا الميلاد والمواليد الباقية ؟
في العشرين ، يكون كل شيء ممكناً فهذا وقت جمع بعض اختبارات ، وكثير من الكفاءات ، ولكن ليس كذلك في الثلاثين ، انما لا يمكنني ان
أقول : انتهت حياتي ، اذ لا ازال اسمعهم ينعتوني بالصغيرة ، وربما تبرق شرارة الحظ ، فالعالم ما يزال مستوعباً امكانيات عديدة ، واني أحسّ بدافع يحرضني للتمسك بأي وسيلة للتسلق في سلم الارتفاع ، مهما بدا لي عقم المحاولة .
يعلمني سن الثلاثين بان الامور مهما كانت طالحة لا بد ان تسير الى الاسوأ ، كما اني لا انتقل بسرعة من الغبطة الى الكآبة ، والاصدقاء يشغلون زاوية من فكري في هذه المرحلة من العمر ، لكني افضل الاقلية المختارة منهم ، كما اني اضعت قسماً بالموت او الهجرة ، وسوى ذلك من امور الدنيا ، ولكني تعلمت شيئاً ، هو ان الناس لا يموتون فقط بل ينزحون من اماكنهم ، او يغيرون سياستهم ويتعلمون التظاهر والتمثيل .
انا الآن لا انظر الى العالم من علّ كما كنت في العشرين ، كما اني اصغي الى ما يقول الرجل ، وليس الى اسلوب حديثه . اني اشعر بحاجة الى الحب ، على اني اتجنب الكلام عنه بصراحة . في سن العشرين كنت لا ارى في الرجل سوى حسن مظهره وطريقة لباسه ، اما الآن فأحدّق في اتساع قلبه ، وأقيس عمق شجاعته وإقدامه ، واريده كما هو لا كما يجب ان يكون . واقنع نفسي اخيراً باني شخص غير كامل في عالم لا يعرف الكمال ، فأخفض نظري عالمة بان النجاح ليس وقفا على مصدر واحد .
في هذه الليلة أشعر ان الحب والعمل يتحدان لتسيري في شعاب الحياة ، قائدة لسفينة نفسي . فأفكر برأسي ، وأحس بقلبي ، وأساعد في قيادة سفينة اخرى . واذا جمعت خلاصة العشرة والعشرين والثلاثين سأطأ عتبة الاربعين مرحة نشيطة ، لا كئيبة خاملة ، عبثاً يثقل على كاهل الحياة !
ترجمة املي ابي راشد
