كنت لأيام خلت اجتاز شارعاً من شوارع بيروت ولفت نظري وسمعي في أحد المنعطفات الموحدة، صبي صغير يسوق أمامه صندوقة بيضاء ينبعث من جانبيها رنين أجراس، وتنطلق من حنجرة الصبي بين فترة وفترة نداءات عالية مغربة، تشوق الأطفال للإسراع في الإقبال على ابتياع بضاعته المثلجة الجذابة داخل الصندوقة البيضاء.
وحملني فضولي الصحفي على مراقبة بائع «البوظة ستيك» خلسة دون أن يشعر بي، وكانت المسافة بيننا قد امتدت وبَعُدت، وبتُّ في منأى عن ريبته... وما كان أعظم دهشتي عندما رأيته بأم عيني، يفتح الصندوقة، وهو يحسب نفسه بعيداً عن الرقباء، ويعمد إلى القطع الصغيرة المثلجة، يلحسها بلسانه واحدة واحدة، ويُعيدها إلى أماكنها، بعد أن يكون قد برَّد جوفه، وأرضى شهوته.. ثم يستأنف سيره في جلبة أجراسه ونداءاته، كأن شيئاً لم يحدث!
بقيت صورة ذلك الصبي في خاطري منذ ذلك اليوم وصورته بعدئذ وهو يوزع على الأطفال الصغار، قطع عيدان البوظة أو «الستيك» بعد أن لثها بلسانه.
ولم أتمالك بعدها من نقل هذه الخواطر إلى قرائي وقارئاتي وهل مهمة الصحفي سوى الأمانة في مشاركة الناس أفراحهم واتراحهم، والأمانة في تجاوبه وتسجيل انطباعاته ونقلها لمن له عيون وآذان؟
وتساءلت بعدها، كيف تتمكن البلدية من ملاحقة أمثال هذه المخالفات وضبطها؟ وإذا تعذّر ذلك، أليس الأولى بنا، خاصة نحن الأمهات اللواتي نحرص على صحة أولادنا، أن نعي مغبّة هذه الأخطار ونحاربها، فلا تُطلق الحرية لصغارنا في أن يشتروا المثلجات أنى شاءوا ومن أين شاءوا؟!
وشعرت أن مهمتي، بعدما رأيت ما رأيت، أن أحذر الأمهات من عواقب هذه الأمور ومدى خطورتها على صحة أطفالهن، ثم أليس من أسوأ عاداتنا انجرافُ أولادنا في الشوارع خلف الباعة من كل نوع، يبذّرون قروشهم لسبب ولغير سبب ويشبّون على الإسراف، أحد آفات هذا العصر؟ أوليست مهمتي، تنبيهُ أخواتي الأمهات
إلى ضرورة الحدّ من هذا المصروف والتعويض عنه بأن نؤمن نحن أنفسنا حاجة أولادنا مما يحبون، فنوفر لهم المثلجات البيتية التي تمتاز عن تلك بنظافتها وكميتها، ونكون بالتالي قد أعدنا أولادنا إلى حظيرة البيت، وحلْنا دون عادة الصرف والتبذير، وأبعدنا عنهم الأضرار الناجمة عن مثل هذه التصرفات.
« عين »

