ثم لان وجهها وبدت عليه مسحة حزن مض ، وتشبثت بجبل الحياة مرة اخرى وقالت :
« سيقتلني شقائي قريباً يا زاهية ، فانتظري حتى يضرب القاتل ضربته . لا تدعيني وحدي ولا تدعي سعادتك تشل البقية الباقية من جسدي ! هل تسمعين ؟
وتفحصت زاهية وجه اختها اليائس الباكي وكأنما كانت تراه لأول مرة ! هل كوى لهيب الظمأ الى الحياة ، روح اختها الحبيبة الوحيدة الى هذا الحد ، بغير ان تشعر هي بلفح اللهب ؟ كم حفنة من حفنات العذاب ابتلعت وازدردت هذه المسكينة وهي ترى نفسها تلوذ بنفسها ، وتحاول الهرب من مراقبة اختها ذات الحيوية والنشاط ، ولا تجد للهرب سبيلاً ؟
وطغى عليها ندم ممزوج بعطف صارخ فاندفعت الى اختها تحتضنها . كيف كانت ستنعم بربيع الحب وأختها بوهن وضعف ، صد رياح الحياة وبرودتها ؟ إن ضميرها يرى أمامه طريقاً واحدة ليس يرى سواها في الافق ، فلتتكلم ولتعِد قبل ان يختنق صوت الضمير ! ...
« إرأفي بنفسك يا ملك واطمئني ، لن ادعك وحدك . لن اتزوج « كريم » . فأنا لك قبل ان اكون له . ولكن عديني وعداً صادقا بان تحاولي التخفيف من حقدك على الحياة ، فتسعدين وتسعدين » . وتضاءل صوتها حتى قرب من الهمس : « ستكون التضحية عظيمة يا اختاه ولكني سأقوم بها راضية من اجلك وارجو ان يلهمك الله تقديرها والاستفادة من ايامك التي تبعثرينها وهي اكرم من ان تبعثر ، سأبني لك حياة جديدة يا
« ملك » على انقاض حب لن احاول إعادة بنيانه ، فقط كوني خير عون لي على ذلك » ! ...
« احقاً ما تقولين يا زاهية ؟ اغفري لي ، فغفرانك من غفران ربي . أواه يا اختي ! سأحاول ان اعيش وان احتجت الى وقت غير قصير . لضم اجزاء نفسي المفككة بعضاً الى بعض » .
وتطلعت زاهية الى الشمس الغاربة وضغطت على صدرها بيد وبالاخرى مسحت دموع عيون أذبلها التحديق في وجوه السعداء ...
★
وعندما رأت « كريم » بعد اسبوع ينتظر خارج ابواب المدرسة عرفت ان ساعة الوداع قد زحفت . توقفت عن السير وتعلقت عيناها بوجهه السمح الجميل وللحظة تعلق قلبها بخيط أمل رفيع سرعان ما انقطع اذ لاح امامها وجه « ملك » . سارا جنباً الى جنب وقال بلهفة حاول إخفاءها :
« زاهية » لن اصدق الا انك من اشرف الفتيات واطهرهن . قولي ان ما قالته « ملك » لم يكن سوى محض اختلاق ، وإذا كان صحيحاً فلا تقولي شيئاً ...
وارادت ان تضحك وتضحك وشر البلية ما يضحك وارادت ان تبكي وتبكي وفي البكاء انطلاق !
« نعم يا كريم ، كان ذلك محض اختلاق . وارجو ان تُعفيني من الايضاح لانه سيزيد الامر في نظرك تعقيداً . لقد وجدت ان سعادتي اقل اهمية من حياة شخص اريدها ان تطول وتزهر ، فقد كفاها ما نالت من وخز الاشواك » .
فهتف في ألم : « أو تعنين « ملك » يا زاهية « انها انانية إذ تحطم حياتنا بهذا الشكل » .
وكان عذاب الموقف اصعب من ان يحتمله فؤادها فنظرت اليه نظرة ذابلة وهمست :
« لقد قلت لك انك لن تفهم مهما أوضحت لك يا « كريم » . سألبس خاتمك عندما تكون هي مستعدة لان تضع يدك بيدي بنفسها » . واردفت بصوت خافت :
« هذا اذا اردت ان تنتظر » .
واذ لم يجر جوابا ، قالت بصوت كسير : « وداعاً يا كريم ، سأذكر حبنا كأجمل حلم رأته عيناي » ومرت عنه مسرعة ...
هتف كريم والفضاء يتسع بينها ويحمل اليها صوته كهمس النسيم :
« زاهية ، سأنتظر » ...

