بعد ايام معدودات ، نمر بتجربة حاسمة ، فاما ان نبلو فيها بلاء حسناً ، ونخرج من غمارها رافعات الرأس ، فخورات ، بما قدمت ايدينا من حسنات ومآثر نحمد عليها ، واما ان يصيبنا فشل ذريع ، وخذلان مريع ، فتنكس الرؤوس حياء وخجلاً ، ونغض الطرف اعترافاً بالهزيمة والفشل والخيبة ....
لقد كافحنا سنوات عدة ... وناضلنا اياماً طويلة ... في سبيل الوصول الى هذه المرحلة ... مرحلة الاعتراف بحقوقنا كاملة غير منقوصة ، مرحلة تخولنا ممارسة حقوقنا ، وخاصة ، السياسية في ان ننتخب ونُنتخب . فاذا سيكون مصيرنا ؟؟ ... وماذا يفكر بنا الرجال ؟ هذا الجنس الآخر ، الذي طالما خشينا ، وطالما تنبأ بفشلنا ، وبافسادنا للامور ؟ ... هل يظن بنا خيراً الآن ، ام تراه ما زال على رأيه السابق ... لا يرى خيراً الا في بني جنسه ، هؤلاء الذين مارسوا السياسة واختبروها لسنوات عدة فسبروا اغوارها ، واطلعوا على اسرارها ، وتوصلوا الى كنهها ؟ ... واستحوذ علي شعور ملح في ان اطلع على رأيهم في هذا المضمار ... فرحت انتقل بينهم من الوزير الى الطبيب الى الصحافي الى الطالب الى رجل الشارع متسائلة مستفهمة ! ...
*
كان اول من قابلت معالي وزير الانباء الاستاذ محي الدين النصولي ، وكان من البديهي ان لا اتورع عن طرح سؤالي عليه وهو الذي وقف في الماضي والحاضر مواقف عديدة يؤيد فيها المرأة ويشجعها على خوض كل غمار .
وما كاد الوزير النصولي يسمع سؤالي حتى اجاب على الفور : « لست بالمتشائم وان لم تنجح المرأة اللبنانية كل النجاح بممارسة حقها السياسي في الانتخابات لاول مرة . فهذا التمرس لن يكون كاملاً والطفرة محال ، ولكن المرأة اللبنانية بما فطرت عليه من ذكاء ونباهة سوف تتدرج نحو الكمال وتساهم مع الرجل في خلق دولة لبنانية حديثة ومجتمع لبناني فاضل .
كنا نطير بجناح واحد في الماضي ، اما اليوم فسوف نطير بجناحين ، مهما يكن احدهما ضعيفاً ، الا ان المران سوف يعيد لهذا النجاح الذي كان مهيضاً قوته وصلابته . الى الامام » .
وتوجهت بعد ذلك بسؤالي الى الطبيب الذي عرف في دنيا الادب وفي مجالات الخدمة الانسانية حتى غدا اشهر من نار على علم ، عنيت الدكتور جورج حنا .
قرعت منزله في الاشرفية ، فاستقبلتني كريمته مي ، مرحبة مستبشرة ، ومضت تشكو اليّ هذه الضجة التي يثيرها الناس حول الانتخابات ، لا سيما وان اباها من المرشحين ...
فاجأت الدكتور حنا بسؤالي فأجاب :
« قد اكون من اعرف الناس بالمرأة فقد قضيت ثلاثين سنة اختبرها كزوجة وام ومربية في اثناء ممارستي مهنتي كطبيب نساء وقد توصلت الى الاستنتاج بان المرأة هي عماد المجتمع الاهم همها الاول ان يتهيأ لأولادها مجتمع يعيشون فيه عيشة سعيدة وتتاح لهم فرص العلم والصحة والعمل الشريف .
برأيي ان المجتمع الذي لا يتاح فيه للمرأة ان تمد يدها للعمل على تقدمه يبقى مجتمعاً متأخراً . ولذلك فان الخطوة التي خطونا بالاعتراف للمرأة بحقها في الانتخاب هي بشارة أمل . واجزم ان الخطوة الاولى هذه ستعطي ثماراً طيبة ولا بد ان يتبعها خطوات .
لقد ناضلت مع المرأة منذ ان دخلت حلبة النضال الاجتماعي والسياسي واني لسعيد ان ارى بداية تحقيق هذه الامنية الاجتماعية والسياسية والقومية . والامل معلق على الوعي الذي ستظهره المرأة في هذه الخطوة وانا قوي الايمان بانها ستكون خطوة مباركة وبداية عهد جديد » .
واتجهت انظاري الى الصحافة، فطالعني وجه رصين هادي، هو وجه الاستاذ نجاتي صدقي، الصحافي والناقد الاذاعي والاديب المعروف، ما كدت اباغته بسؤالي حتى أجاب :
« الواقع ان المرأة اللبنانية تقوم بتجربة فذة في تاريخ الحركة النسوية العربية .. فقد نالت حقاً لم تنله اخواتها في أي قطر عربي آخر .
والسؤال الرئيسي هو هل يعمل وجود المرأة في الانتخابات النيابية على كبح جماح الفساد الانتخابي ( الفوضى والارهاب والرشوة والارهاب ) ام انها هي نفسها ستتحصن بحرمة الانوثة وكرامة الجنس ، وستساهم في اشاعة الفساد الانتخابي ؟
وفي رأيي ان هذه التجربة الاولى من اشتراك المرأة في الانتخابات النيابية لن تحدث تغييراً جوهرياً في الوضع النيابي وذلك لعدة اسباب اهمها :

