اولاً — ان المرأة على الجملة ينقصها الوعي السياسي والاجتماعي والتنظيمي .
ثانياً — ان حق الانتخاب الذي نالته لم يتغلغل في نفسها بعد ، بحيث يصبح من تقاليدها الوطنية الموروثة .
ثالثاً — ان تمتعها بالحقوق السياسية لا يتماشى لدرجة ما مع تمتعها بالحقوق الاجتماعية .. وستستوحي وجهة نظرها الانتخابية من بيتها اي من زوجها واولادها واقاربها ، وبالتالي ستعطي صوتها «للزعيم» الذي تسير العائلة في ركابه .
رابعاً — يحتمل جداً ان تعمد المرأة الى ارهاب بنات جنسها في الانتخابات فتخلق مشاكل بين الرجال وتسبب حزازات عائلية لا نهاية لها » .
وغفرت للاستاذ صدقي تشاؤمه هذا ، وتمنيت لو تتاح الفرصة للمرأة لكي تخيب ظنه فيها ...
ولا بد ان يكون للفنانين رأي في هذا المضمار ... فما هو رأيهم يا ترى ؟؟ . هؤلاء الذين يتفهمون المرأة اكثر من غيرهم ، فعليها يقوم معظم فنهم ، ولا غرو فهي مهبط الهامهم ومصدر وحيهم .. وبينما كنت افكر في ذلك اذ بعاصي رحباني الملحن المجدد المعروف ، يمر بي مرحباً ، فكان ردي على سلامه ، سؤالي
المعهود ، فاذا به يبتسم ابتسامته الهادئة قبل ان يجيب :
« حق المرأة في الانتخاب حق طبيعي لا جدال فيه ، وان كانت حرمت هذا الحق عهداً طويلاً فذلك لأن نظامنا البرلماني لم يكن قد تبلور بعد . ونحن الآن امام اول قانون يعطي المرأة الحق في الانتخاب ، وقد لا تفوز المرأة هذه المرة بمقاعد نيابية ، وقد ينساق بعضهن حسب سياسة البيوت والعائلة ولكن مما لا شك فيه ان نساء الطليعة سيبرزن في
هذه المرحلة ويضعن حجر الاساس في انطلاق المرأة اللبنانية » .
وفي زحمة الفحوص ، وفي غمرة الاوراق والدفاتر والكتب ، لقيت طالب الصيدلة في الجامعة الاميركية ، سميح دروزي ، منهمكاً في مذاكرة دروسه ... ولم أعفه من سؤالي ... ولم ير مندوحة من الاجابة ، ومن الانتقال فجأة من عالم الكيمياء الى عالم المرأة والانتخاب ... وليس ذلك عليه بسهل يسير ... قال ، وما زالت عيناه معلقتين بكتاب الكيمياء :
« ارجو ان يكون بين نوابنا بعض نسائنا النشيطات ، اذ ان المرأة ذات نظرة انسانية اكثر من الرجل وتفهم
الاحوال الاجتماعية ، بكثير من الاحيان احسن منه .. شبعنا سياسة ، نريد اصلاحاً اجتماعياً اكثر منه سياسياً ... »
واكتفيت بذلك الجواب الموجز ، وتركته لمذاكرته وفحوصه ...
ولرجل الشارع رأيه في هذه القضية ذلك الفيلسوف الساذج الفطري ، فمالي لا اطرح عليه سؤالي .
وكان رجلاً هرماً ينوء تحت عبء أثقل كاهله من اكياس الطحين وقد وضعها جانباً ليستريح قليلاً ، وكان العرق يتصبب منه بغزارة فيبلل اسماله الخلقة الرثة . وفاجأته بسؤالي فلم يستوعب ما قلت وظني اسأله عن أحد الشوارع غير انني عدت فأوضحت له السؤال فاذا به يتفرس بي وقد اكتسى طابع الرصانة والجد وكأنه مقدم على عمل جليل لاسيما وانني قلت له ان رأيه سوف ينشر في مجلة يقرأها جميع الناس . قال :
« شوفي ياست نحن ما في فرق عندنا ان دخلت الست النيابة او ما دخلت . نحنا بدنا نؤمن حياتنا ، واذا جاء رزقنا عن طريق الست فأهلاً وسهلاً ... على الاقل هي ارحم من غيرها . قلبها الطيب شفوق ربما ترحمنا نحن الكادحين البائسين في هذه الحياة » .