على مقربة من ساحة واشنطن في مدينة نيويورك يوجد الحي المدعو بقرية جرينوتش، هناك تكثر المنعطفات والتعاريج وتتشابك الأزقة الملتوية بحيث يعود المرء إلى المكان الذي ابتدأ السير منه دون أن يدري.
وقد اكتشف الفنانون امكانيات هذا الحي من غرف واسعة ونوافذ كبيرة وبيوت قرميدية قديمة رخيصة الإيجار تعطي لوحاتهم لوناً محلياً جميلاً فاستوطنوه بعد أن دعوه «مستعمرة أهل الفن».
هناك التقت سو وجونزي وسكنتا في الطابق الثاني من بيت قرميدي قديم بعد أن أصبحتا صديقتين. ورغم أن جونزي (تصغير اسم جوهانا) كانت من مقاطعة ماين وسو من كاليفورنيا فقد وجدتا أن ذوقيهما متشابهان في الأكل وفي طرق المعيشة وفي النظريات الفنية.
وانتهى الربيع على سكناهما معاً وكذلك فصل الصيف. أما في تشرين الثاني فقد تفشى الالتهاب الرئوي في الحي وكانت جونزي بجسمها النحيل من جملة من مستهم أصابع الداء المثلجة البغيضة فكانت تقضي يومها في سريرها الحديدي البسيط تنظر من خلال النافذة إلى حائط المنزل القرميدي المجاور.
بعد أن خرج الطبيب من عيادتها قال لصديقتها سو وهو ينفض ميزان الحرارة في يده: «إن نسبة الأمل في شفائها لا تتجاوز الواحد من عشرة. وهذا الأمل الضعيف هو مقدار حبها وتعلقها بالحياة فحب الحياة هو أنجع دواء للمريض غير أن صديقتك قد استسلمت للموت ويئست من الحياة والشفاء. أليس لديها ما تعيش لأجله؟ أمنية تود تحقيقها؟»
«إنها ... إنها تود رسم خليج نابولي في يوم من الأيام».
«الرسم؟ هيه ... هل تفكر بشيء يستحق الاهتمام؟ برجل مثلاً؟».
فأجابت سو بامتعاض: «رجل ... وهل الرجل يستحق ... لا ليس هنالك شيء من هذا».
«ها هنا نقطة ضعفها. لو كان لها من تحيا لأجله ... على كل سأحاول جهدي وأبذل كل علمي ولكن عندما يبدأ المريض التفكير عمن سيمشي خلف جثمانه فأتأكد من نصف مفعول العلاج. اسمعي يا بنيتي، إذا تمكنت من جعل رفيقتك تتحدث ولو بسؤال واحد فقط عن أزياء الشتاء القادم ترتفع نسبة الأمل في شفائها إلى واحد من خمسة بدلاً من واحد من عشرة».
وعادت سو إلى الاستوديو واجمة فأخذت منه أدوات الرسم ودخلت إلى غرفة النوم وهي تترنم بلحن مرح شائع.
توقفت عن الغناء بعد أن ظنت جونزي نائمة ووجهها ناحية النافذة ثم بدأت ترسم. كانت ترسم صورة لأحدى المجلات القصصية فاهل الفن أول نشأتهم يرسمون الصور للمجلات تماماً كما يكتب أهل الأدب في أول نشأتهم القصص لهذه المجلات.
كانت سو منهمكة في عملها عندما سمعت صوتاً رتيباً ضعيفاً يتتابع همساً فأسرعت إلى الفراش فوجدت جونزي تنظر عبر النافذة وهي تعد عدداً عكسياً «اثنتا عشرة ... ثم ... إحدى عشرة ثم ... عشر... ثم تسع ... ثمان ... سبعة ..» تقريباً معاً.
ونظرت سو من النافذة لترى ما يمكن أن تعد صديقتها فلم تر غير الباحة
الخلفية وحائط قرميدي ونبتة كبيرة مهترئة قد تسلقته مستها الرياح الباردة فسقط القسم الكبير من أوراقها فبدت أغصانها عارية وهي متمسكة بالحائط القديم المتداعي. فسألت صديقتها:
«ماذا جرى يا عزيزتي جونزي؟»
فأجابت بصوت شبيه بالهمس: «ست ... إنها تتساقط بسرعة. منذ ثلاثة أيام كانت مئات وأصابني الدوار وأنا أحاول عدّها ولكن الأمر قد يسر الآن ها هي واحدة أخرى تذهب فلم يبق سوى خمس ...»
– «خمس ماذا؟ ألا تودين أخبار صديقتك؟»
– «أوراق، أوراق النبتة المقابلة للنافذة وعندما تذهب الورقة الأخيرة فسأذهب معها. لقد عرفت هذا منذ ثلاثة أيام ... ألم يخبرك الطبيب؟».
وأجابت سو بغيظ وسخرية: «لم أسمع قط بهراء كهذا السخف فما علاقة أوراق النبتة بشفائك؟ لقد أخبرني الطبيب أن نسبة الأمل في الشفاء عشرة إلى واحد وهذه نسبة طبيعية للبشر الاعتياديين إذا ركبوا حافلات الترام أو ساروا قرب بناية تشاد حديثاً. حاولي تناول الحساء الدافئ الآن ودعيني أنهي الرسوم كي أبيعها فأشتري لك نبيذاً دافئاً ولصديقتك الأكولة قطع اللحم المغذية».
فقالت جونزي ونظرها لا يزال عالقاً بالنافذة: «لن تحتاجي لشراء النبيذ بعد الآن. كلا لا أريد شيئاً من الحساء. ها هي واحدة تذهب بعيداً. أود رؤية الورقة الأخيرة وهي تسقط قبل أن يعم الظلام. وحينئذ يأتي دوري في الذهاب».
كانت لهجة سو منفعلة وهي تقول: «اسمعي يا عزيزتي. عديني بأن تغمضي عينيك وتكفي عن النظر من النافذة