وانقضى النهار . وعند الغسق رأتا الورقة عالقة من جذعها وفي الليل هبت ريح شمالية عاتية بينما كان المطر ينهمر في غزارة .
ولما اصبح الصبح طلبت جونزي دون رحمة رفع ستائر النافذة .
وكانت الورقة مكانها .
بقيت جونزي مدة طويلة تتأملها ثم نادت سو وكانت هذه الاخيرة في المطبخ تهيء حساء من دجاج .
وقالت المريضة : « لقد تصرفت تصرفاً مخزياً . ان قوة خفية ابقت على هذه الورقة الاخيرة لتريني شر تصوراتي . اذا اراد الانسان الموت فقد ارتكب الخطيئة والاثم . اجلي لي بعض الحساء وقليلاً من الحليب الساخن ... ولكن اعطيني المرأة اولاً وارفعيني على الوسائد
فأود ان اراك تعملين . »
وقالت بعد ساعة من الزمن « اود رسم خليج نابولي يوماً ما . »
لحقت سو بالطبيب بعد ان عادها بعد الظهر فقال لها : « بدأنا نربح المعركة وعليك الان الاعتناء بتمريضها... يجب ان اذهب لاعود برمان كما يدعونه - واظنه فناناً - فقد اصيب بالالتهاب الرئوي وليس هنالك من امل في نجاته فهو كبير السن غير اني سأنقله الى المستشفى ليحصل على الراحة في ايامه الاخيرة . »
وقال لها في اليوم التالي : « لقد انتهى الخطر وربحت المعركة ولم تعد صديقتك بحاجة الى العناية والغذاء الجيد . »
وبعد ظهر ذلك اليوم اقتربت سو من فراش جونزي التي كانت تحيك شالاً
من الصوف فاحتضنتها ثم قالت :
« سأخبرك شيئاً هاماً يا عزيزتي . لقد توفي العم برمان اليوم في المستشفى بعد ان اصيب بالالتهاب الرئوي . لقد وجده البواب صباح اول البارحة وثيابه مبللة بالمياه وقد جمدت على جسمه ولم يتمكن احد من معرفة اين كان في ليلة عاصفة كتلك حتى عثروا في الحديقة على مصباح مضاء وسلم خشبي وبعض الفراشي المبعثرة ولوحة الدهان وعليها مزيج من اللون الاخضر والاصفر . انظري من النافذة - أترين هذه الورقة الاخيرة عالقة بطرف الجذع على الحائط ؟ ألم تعجبي كيف انها لم تتحرك ولم تقع رغم العواصف والرياح ؟ ... آه يا حبيبتي ، انها تحفة برمان الرائعة رسمها ليلة وقعت الورقة الاخيرة . »