.. وهبطت نشوى من طفرة السرور فوق المقعد الوثير ثم ارسلت رأسها الى الوراء في شيء من الغبطة او من الدلال الانثوي وقد اغمضت عينيها اغماضة حالمة بينما اخذت يداها في فض الرسالة من غلافها.
وقرأتها مثنى وثلاث وخيل اليها انها تطل من حالق على دنيا بكر تهتف بسامعها وعلى ثغرها بسمة سعيدة:
ان الحياة جميلة، وان اجمل شيء فيها الآن هو هذه الآيات الساحرات التي بين يديها، هذه الآيات التي تلقي بوشاحها الذهبي على اشجان العالم، فما ترى هي منه الا الالق والا هذا الوجه ذا النظرات القوية في لطف، الوادعة في قوة.
وتعود مرة اخرى لتلاوة الرسالة الحبيبة وتعود الرؤى فتحملها في حنين وهوادة لتلقيها حياله من جديد، فتراه من حيث لا يراها وتعرف خفاياه من حيث لا يشعر ...
وتستعذب هذا الموقف، فتروح في شبه خبث لذيذ تنظر اليه من عينين ضاحكتين، وعندما تمعن فيه النظر تند عنها زفرة عميقة فتتطلع اليه من عينين سادرتين، وما تلبث حتى تحس بضغط شديد، لا تعلم أهو على حبها ام على كبريائها، فتحدق فيه بعينين غاضبتين.
وبسرعة البرق تتحول النظرات الغضبى الى الرسالة فتقرأها بغير العين التي قرأتها من قبل وتفهمها بغير العقل الذي تفهمها منذ هنيهة، وتتفحصها بغير القلب الذي كانت تحمله بين جنبيها لدقائق خلت:
وتقف قليلا عند بعض الجمل فتتلوها بصوت منخفض فيه لهاث التعب المقرور:
« لا يامعبودتي، لا يا زوجي المفداة، لا يشغلك امري البتة، فأنا قرير سعيد ما دمت كذلك، فاهنأي في مخبأك الناعم حيث ترفرف حواليك اسراب لداتك هازجة مغردة، وذريني انا هنا اعمل من اجلك مقتحما المخاطر، غير عابيء بهذا الذي يسميه الناس حربا على الايام، واسميه انا جهادا حافلا بشتى انواع المغريات. ذريني وحيدا مستوحشا، فان الامل بلقياك وان طال امده ليفعم قلبي تبتلا، ويملأه صبرا وقوة »
ولاح لها خيال شاحب يرمقه زوجها بطرف عينه بينما ينفث دخان لفافته عاليا بعصبية هادئة، وراحت تمعن النظر بقسمات الشبح المنمنمة، فاذا بها ترى لاول مرة ان في النظرات الحالمات دموع الحرمان، وان بين الشفتين الملآنتين زفرات المحرور، وان في انحناءة الرأس الحبية، ايجابية مستكينة. واذا بالجسم الفارع ذي الخصر الضامر يروح ويغدو امام الزوج ليؤدي اعمال المنزل، واعماله على الاخص بسرعة آلية وطفرة نشيطة، واذا بها هي تشخص اليه من عينين دهشتين، تعبتين، ثم تهب بغتة واقفة، وتتمشى، وكأنما قد تمشت في ركابها الاف من جنود الجن لتشنها حربا شعواء، على الرجال جميعا، هؤلاء الذين يستهويهم الجديد اني كان شكله ونوعه، وثمنه، ويفتنهم الطريف وان تبذل غير عابئين بقيد او مخلصين لضمير.
وزوجها، من هذا النوع المضنّ
الذي يستهويه الجمال حيثما وجده، وايضا تجلى له ان في زهرة زاهية اللون، او بحر شديد الزرقة، او قمر دالف نحو المغيب، او ليلة سجواء مظلمة، او نأمة طير، او ابتسامة طفل، او لحن شجي غرير.
ولقد طالما اوقفها في عارضة الطريق ليدلها على مكمن الجمال - على حد تعبيره - في زاوية من زوايا احدى البنايات.
وانها لتتصوره الآن في احد مواقفه معها في الشارع، وكانت متأبطة ذراعه فاذا بصرخة اعجاب تند عنه، واذا به يتشبث بها متوسلا ليلفت نظرها الى غادة مرت امامها وقد تجمعت في عينيها براءة الطفولة وفي لفتتها طفولة الانوثة.
وانها لتتصوره كذلك وهو يحدث الناس كيف يتلكأ في تنميق جمله، وكيف يستهويه التعبير الرائع فيقف عند احدى تعابيره لتساعده اشارته في خلق ما يصبو اليه من حديث منمق يصبه متأنيا في قالب مصقول.
فما باله وهذا شأنه لم يتطرف الى ذكر كلمة واحدة عن هذه الخادم التي لا تراه يتطلع اليها الا من طرف عينه؟ ترى ألم يستهوه فيها شيء البتة؟ ام ان وراء هذا السكوت ما ورائه.
وهذه الدموع المداراة التي فاضت من محاجر الخادم يوم ان سألتها هي عن سبب تركها بيت مولاها القديم دون ما جواب؟ وهذه التنهدات الدائمة التي تصعدها من الصميم غير مبالية بمنتقد او مؤاخذ.
أليس في هذا كله ما يلفت نظر الزوج ليعلق تعليقا واحدا، وهو المشهور بتعليقاته الانتقادية الكثيرة؟
ثم أليس في الفتاة نفسها ما يلفت النظر؟
أو ليس فيها الشباب والقوة

