ها ان اشعة الشمس تكاد تغمر جميع السطيحة المواجهة للبحر في منزل سعدى ام جميل الحداد . وها هي صاحبة الدار تقف بجانب النافذة تنتظر مرور موزع البريد لعله يأتيها بمكتوب من ابنها المغترب في البرازيل منذ ست سنوات . ومع ان الابن لا يكتب الا مرتين او ثلاثاً في السنة فقد تعودت ان تقف هناك كل يوم قبيل الظهر حين مرور الموزع . « انه نشيط وطيب النفس ، هذا الموزع » تفكر ام جميل وهي تصغي الى خطواته الثقيلة على الطريق المزفتة . « كل يوم يمر من هنا على الوقت من غير تأخر ، واذا لم يأتني بمكتوب فليس الذنب ذنبه » .
ثم تقفل النافذة وتسرع الى المطبخ لتنهمك في اعداد غذائها البسيط المؤلف من قطعة لحم مع قليل من الخضار الذي ينتجه بستانها الوحيد القائم بجانب المنزل . فاذا انتهت من عملها في المطبخ وتناولت طعامها ، لم يبق عليها سوى ان تجلس في غرفتها وتستريح لان عشاءها ينحصر في قليل من الجبن والخبز والزيتون ولا يحتاج الى تحضير . اما البستان فقد انتهت من تعشيبه وسقيه وسيأتي غداً اصحاب الدكاكين بسيولهم فتقطف لهم ما بقي هناك من البرتقال والليمون الحامض .
الوقت ربيع وقد انجزت نكش البستان في الاسبوع الماضي ، لكنها لا تبخل عليه بزيارة في كل يوم لتقطع هنا غصناً يابساً وهناك عشبة نابتة في الجدران
او في مساقي الاشجار . لان هذا البستان مصدر حياتها تزرع فيه كل ما تحتاج اليه من خضرة وبقل وتبيع ما ينتجه من اثمار فتشتري ما يعوزها من مؤونة وتخزن النقود التي تفيض عن حاجتها .
تجلس ام جميل بجانب الشباك وتراقب براعم الليمون وقد احدثت تتفتح وتفوح رائحتها المنعشة . ها ان العيد الكبير على الابواب وعما قليل يجب ان تشرع في ما تسميه « عزيل العيد » او التنظيفة الكبرى التي تحدثها في بيتها كل سنة . تبدأ بتنظيف الخزائن والصناديق فتخرج منها البقج والصرر الملونة واكداس الشراشف والاغطية والحرامات وتمسح الغبار الذي داخل الاثاث ثم تعيد البقج والصرر والاكداس الى اماكنها . لكنها تلاقي اشد التعب من تنظيف « البوفيه » او خزانة الصحون . لان هذه الخزانة عالية جداً تكاد تبلغ السقف وعليها ان تصعد على الكرسي لتنزل ما على الرفوف من كبايات ملونة وقمقم منقوشة واباريق وطشوت وشمعدانات فضية ونراجيل ذات قلوب نحاسية وغير ذلك من اشياء ثمينة ورثتها عن اشخاص كثيرين ماتوا قبلها - ورغم التعب الذي تلاقيه ، تشعر بلذة فائقة حين تغسل الاواني الزجاجية بالماء والصابون وتفرك القطع النحاسية بالرمل والحامض وتضعها صفوفاً صفوفاً على السطيحة لكي تنشف في الشمس وتصبح لامعة كالذهب . انها تفرح برؤية هذه الاشياء ، على
انها لا تستعملها قط في حياتها . فهي تشرب بابريق الفخار وتترك الكبايات الزجاجية الملونة حيث هي . وتنام على شرشف قديم مرقع وتحفظ الشراشف الجديدة نظيفة مطوية . وتتناول طعامها لقماً بأصابعها وتترك الملاعق والشوك الفضية ملفوفة بالاوراق في الجوارير . ذلك لان لام جميل فلسفتها الخاصة في الموضوع . وهي ان الامتعة وقطع الاثاث انما يقتنيها الانسان ويكدسها في بيته ليستمتع بمنظرها ، لا ليستعملها في قضاء حاجاته .
« كل شيء خير من ابن آدم » تردد ام جميل وهي تتذكر اصحاب هذه الاواني الذين ماتوا « كل شيء خير من ابن آدم » . لا شك انها تحب هذه الاواني لانها اثبت من البشر واطول عمراً . هذا الصندوق الملآن بالبقج ورثته عن امها المتوفاة منذ زمن بعيد . اما « البوفيه » الكبير فقد ورثه زوجها المرحوم عن امه العجوز . ولم يكن فيه اذ ذاك سوى نصف الاشياء التي فيه الآن . وما بقي فقد اشترته هي قطعة قطعة بكدها وتوفيرها . لقد كان بودها ان تشتري اشياء اخرى وتحقق تلك الآمال الواسعة التي رافقتها منذ صباها ولكنه خانها الحظ وتنكر لها الدهر . فمن كان يظن ان زوجها الحداد الضخم الجثة الذي كانت ذراعه اصلب من الحديد الذي يعالجه - من كان يظن ان الموت سيختطفه بين ليلة وضحاها ويتركها وحيدة كسيرة النفس ، مع انها كانت دائماً تعتقد انها ستموت قبله فيتزوج بعدها امرأة تلد له اولاداً كثيرين لانه لم يرزق منها سوى بنت وصبيين . مات اصغرهما في سن الطفولة وتزوجت البنت في سن مبكرة وبقي ابنها الآخر جميل وحيداً يمارس الحدادة مع ابيه . وحين رأى الشغل قد تأخر خطر له ان يسافر الى اميركا اسوة برفاقه من الشبان وقد توسل اليه

