في ردهة المنزل، وحين سألها من أين لك هذه السجادة أجابت أن ابنها أرسل إليها كمية من المال لكي تشتريها من بيروت.
ظلت أم جميل مدة من الزمن مأخوذة بجمال السجادة. تنظفها كل صباح بمكنسة خاصة وتجلس ساعات طويلة تتأمل نقوشها وألوانها وتخاف أن تدوسها برجليها فإذا جاء أولاد بنتها لزيارتها منعتهم من دخول الردهة وجعلتهم يدخلون البستان من الباب الخلفي لئلا يروا بجانب السجادة أو يلامسوها بأرجلهم وأرسلت إلى ابنها تخبره بمشترى السجادة العجمية الكبيرة وتتمنى أن يعود قريباً إلى الوطن لتريه أياها وتقضي وإياه بقية عمرها.
وورد إليها جوابه بعد قليل. فاخبرها أنه مريض وأنه يبغي العودة إلى الوطن.
لكنه مفلس ويطلب منها أن ترسل إليه نقوداً ليستطيع العودة.
بكت أم جميل ليلة وصول الكتاب وذرفت دموعاً لم تذرفها منذ وفاة زوجها. وعليها أن ترسل إلى ابنها المبلغ الذي يطلبه. أي أن عليها أن تبيع السجادة التي أنفقت السنوات العديدة في جمع ثمنها وحرمت نفسها أشياء ضرورية لكي تشتريها. لكن الأبناء لا يعدلون برزق ولا بمال. يجب أن يعود ابنها مهما كلفها الأمر. وستعيش وإياه قانعة بالكفاف وستعوضها رفقته عن كل خسارة.
في الصباح الباكر ذهبت إلى بيروت في البوسطة وباعت السجادة وأواني أخرى نفيسة مما خزنته في بيتها فاجتمع لديها نحو ألف ليرة أرسلتها إلى ابنها ولبثت تنتظر جوابه.
وانتظرت طويلاً قبل أن جاءها الجواب. وفيه أن ابنها شفي وتحسنت أحواله المالية. وهو ينوي الزواج بفتاة برازيلية ولا يدري متى يمكنه الرجوع إلى الوطن.
هل كان الابن صادقاً في مزاعمه أم كان كاذباً يخادع أمه ويستغل عطفها؟ لا ندري ماذا جال في رأس الأم، لكنها منذ ذلك الحين. تغيرت أحوالها وتبدلت خطتها في العيش فوفرت من غلة البستان ما أمكنها من صنع تركيبة أسنان ومشترى كبوت يقيها برد الشتاء. وانفقت الباقي على صنع درج خشبي جديد للبستان ومشترى حذاء ومنديل. وتناست أمر السجادة وعدلت عن الوقوف كل يوم بجانب النافذة تنتظر مرور موزع البريد.

