انه لبوسع كل امرء ان يقوي ذاكرته، والذاكرة اقرب الى كونها فناً، خلافاً الى حد ما، لما يعتقده بعض الناس، من كونها موهبة تخلق مع الانسان او يعطيها القدر لمن يريد. ولست اعني بان الانسان يقدر ان يزيد في خلايا دماغه ولكن بوسعه ان يحسّن قوة الذاكرة الى درجة كبيرة. فكما انه يقدر المرء ان يقوي جسده بالالعاب الرياضية هكذا بامكانه ان ينمي الذاكرة بالرياضة الذهنية وباتباع طرق تساعده على اعادة الماضي على مسرح الفكر. كم وكم من الناس يجهلون الطرق المؤدية الى تحسين هذه الملكة ويستسلمون الى قولهم: «خلقني الله من دون ذاكرة» ويتهم بعضهم مقدرته بقوله: «خانتني الذاكرة». فيكون بهذه الاعتبارات والاعمال قد افسح المجال لخمول ذاكرته، ويعجز احياناً عن تذكر اسماء اصحابه مثلاً فيفقد آنذاك الثقة بالنفس ويتكون لديه مركب نقص، وتصدأ اجهزة التذكر ككل آلة تركت دون استعمال، ويفقد الانسان عاملاً من اهم عوامل التقدم والنجاح في الحياة.
تعد الذاكرة من اهم عناصر النجاح، فجميع الشؤون العامة والخاصة وجميع مطالب الحياة تتطلب بديهة حاضرة خاصة في عصرنا هذا عصر السرعة والحركة والتقدم، وبمقدور كل انسان ان ينشط بالممارسة قوة الذاكرة فيه
حين يتعرف الى الطرق والوسائل المؤدية الى ذلك، فهناك طرق عديدة لذلك تكاد تجمع عليها العلماء واهمها:
١ - ان يضع الانسان في ذهنه ان ما يقرأه او ما يسمعه يجب ان يتذكره او يبدأ بتذكره عقب القراءة او السماع، ففي هذه الحالة تكون الذاكرة حاضرة البديهة واشد حساسية لالتقاط ما يريد ان تتذكره. فالاخبار والحوادث او اسماء الاصدقاء الذين نريد ان نتذكرهم يرسخون في اذهاننا اكثر بكثير من الاشياء التي لا نبالي بها. فاننا غالباً نتذكر الاشياء التي نريد حقاً تذكرها.
٢ - ايجاد رابطة بين الاشياء التي نريد ان نتذكرها وبين الاشياء الواقعية المألوفة او بينها وبين اهدافنا وآمالنا في المستقبل. او بواسطة اختراع روابط صناعية وقرائن زمنية او مكانية. فاذا تعرفت على شخص جديد فجرب ان تقارن بين اسمه مع اسم صديق حميم او جرب ان تقارن بين مدلول اسمه واشكال وجهه او جسمه او تصرفاته او بينه وبين المكان الذي حصل فيه التعارف فيسهل بذلك التذكر ويكون قد اشركنا الحواس ايضاً بمعونتنا على اعادة الماضي. فابطالينا تشبه الجزمة مثلاً، والمدعو جميل قد يكون جميل الوجه او عكسه، والمدعو نخله قد
يكون قزماً، وقد تتعرف على وسيم في ليلة مقمرة وقد يلتقي مع بيته في ظلال ايكه وارفة.
٣ - يستحسن ان يرد الانسان بصوت عال ويكرر الاشياء التي يريد تذكارها بعد التأكد من صحة سماعها. ولكم عجبت من استاذتي في علم النفس فلها قوة غريبة على تذكر الاشياء وخاصة اسماء الناس والطريقة التي كانت تتبعها هي التأكد من سماع الاسم. ثم تكرره مخاطبة الشخص باسمه اثناء الحديث فتدرس بذلك الصفات والحركات حتى لون العيون وتقاسيم الوجه وبعد ان يطوي الزمان الحادث يعود عند ارادة تذكار صورة صافية جلية اشتركت في تكوينها اكثر الحوادث وسهلت اعادتها على مسرح الفكر.
٤ - واخيراً تفادى الركود الذهني. حاول دائماً حل الغاز بعض الروايات البوليسية الراقية او بعض الالعاب او المسابقات التي تنشرها بعض المجلات او الصحف. او حاول ان تكتشف في كل يوم شيئاً جديداً. مثلا جرب ان تتذكر الاشياء التي رأيتها في الطريق او تذكر البيت الذي زرته وبقدر ما تتوخى الدقة في التفصيل فيما تتذكر يكون خيراً وافضل. فممارسة الهوايات ايضا خاصة في اوقات الفراغ تنشط ملكات المرء الفكرية.
فالدقة بالذاكرة والاعتماد عليها واتباع هذه الطرق يمهّد لك طريق النجاح ويزيد الشخصية تقديراً واعجاباً فعضل التفكير (الدماغ) ككل عضلات الانسان يقويه المران ويضعفه الاهمال.

