ينشأ المجتمع الانساني وتبرز حيويته وتستمر فاعليته بواسطة التربية - التربية التي هي تسيير للفرد وتكييف لتصرفاته وتدريب منسق لامكانياته المادية والروحية تؤهله من احتلال مكانته كعضو عامل فعال في مجتمعه .
وهدف التربية اعداد الفرد بتام مؤهلاته للاشتراك الفعلي في حياة مجتمعه اشتراكا اصيلاً يفرض عليه التيقظ الدائم الى مطالب المجتمع العليا والاندفاع نحو العمل المستمر في سبيل بلوغ تلك المطالب . وواجبها تنسيق العلم ونشره وتحرير العقول واثناء القوى الخلاقة البناءة من اجل حفظ الحضارات الانسانية ودفعها نحو التقدم والرقي .
فكلما تقدمت الحضارات وتعقدت حياة المجتمعات كلما برزت اهمية التربية وعظمت مسؤوليتها . ذلك لأن التربية يجب ان تكون عملية اجتماعية وثيقة الارتباط بمجرى الحياة حولها كما يجب ان تحافظ على تراث الماضي وتتجه نحو اماني المستقبل .
والاماني التي تتجه نحوها التربية الحديثة هي وليدة احتياجات الاحداث ومطالب المجتمع تلك الاحتياجات التي تكوّن حقوق الجيل الناشيء من مجتمعه وتتلخص بالنقاط التالية :
اولاً - كل ولد يحتاج الى بيت سعيد مبني على المحبة والتفاهم يغمره بالعطف والحنان ويتعهد نفقاته المالية - بيت يشعر الولد ضمنه بثقة والديه به واحترامهم له فيثق هو بنفسه ويحترمها .
ثانياً - كل ولد يحتاج الى جسد قوي سليم يكون به ضمانة لقواه المادية والعقلية والروحية .
ثالثاً - كل ولد يحتاج الى امكانيات وافرة تمكنه من اعداد نفسه الى عمل مثمر في مجتمعه .
رابعاً - كل ولد يحتاج الى محيط ثقافي يمده بالكتب والصور والموسيقى ويقرب منه رفاقاً يتعرف اليهم ويصادقهم .
فهذه الاحتياجات على المجتمع ان يقدمها اذا شاء ان يقوم بواجبه نحو الجيل الناشيء فيه الذي هو استمرار وجوده على الارض . وكلها اساسي له قيمته الفعالة في تكوين شخصية الفرد وتدريبها على حياة خيرة مثمرة تكفل استمرار نمو النفس الانسانية .
اما مطالب المجتمع فهي كناية عن واجبات الجيل الناشيء نحو مجتمعه وهي تفرض على كل عضو من اعضائه :
اولاً - ان يحافظ على صحته العقلية والجسدية والروحية وذلك بمراعاة قوانين الصحة الخاصة والعامة كي يتمكن من ان يكون عضواً مثمراً في عائلته وفي مجتمعه .
ثانياً - ان يقوم بعمل منتج فيه خدمة لمجتمعه يسد به حاجاته المالية ويكون فيه ضمانة لاستمرار نموه العقلي والجسدي .
ثالثاً - ان يقوم بواجبه كمواطن حقيقي يعرف واجباته وحقوقه .
رابعاً - ان يبني له شخصية قوية
تدعمها اخلاق متينة تكفل الحياة المثالية الفضلى فالتربية الحديثة التي هي وليدة اختبارات الاجيال الغابرة والتجارب العلمية المعاصرة قد وضعت لنا الخطط والاتجاهات التي لا بد من اخذها بعين الاعتبار اذا ابتغينا تحقيق هدف التربية الاساسي .
ان اول ما يستدعي انتباه المربين هو ايجاد شعور ارتياح وطمأنينة عند التلامذة يكفل نموهم النفسي الذي به ضمانة لكمال النمو العقلي . ذلك لان محور الاهتمام في التربية الحديثة هو الطالب نفسه بما فيه من قوى جسدية وعقلية وروحية لا المادة التي يتوجب على ذلك الطالب حفظها . اذ ان المادة اصبحت اليوم في عرف التربية وسيلة فقط لا غاية .
لذا نجد ان المربين المدربين يهتمون في الدرجة الاولى لتأمين جو تربوي خال من القسوة والضغط تسوده الطمأنينة والارتياح وفي التالي يقتربون من قلوب التلامذة ويكشفون بلطف ومهارة عن المخاوف التي تراودهم ويبددونها . ان ما يدعو للقلق والخوف عند معظم الطلاب كثرة الواجبات وتعقدها بحيث لا يتمكن الطالب من القيام بها في الوقت المعين اذا تبدأ التربية الحديثة مع الطالب من حيث هو . مهما كانت امكانياته المادية والعقلية - وتعمل معه خطوة تلو الخطوة الى ان تصل به الى الدرجة المطلوبة دون ضغط او استعجال . فينمو الولد تدريجياً حسب طاقته دون ان يشعر في اي وقت من الاوقات ان هنالك اعمالاً مطلوبة منه ليس بامكانه القيام بها . ان اسلوباً كهذا يبدد من نفس الطالب كل خوف او قلق ويضمن له الارتياح والطمأنينة .
وكثيراً ما تتبع اساليب تربوية تبعث الخوف في انفس التلامذة وتولد في قلوبهم كرهاً للدرس والمدرسين

