روعتها ، شلت يدي !
أخفتها .. أفزعتها .. لونت عالمها بالغيوم السوداء ..
قلت لها يا أختي ، أيتها الفتية الرافلة باللهو الحلو في انطلاق وسيم ، أتأمنين الغد ؟ أتأمنين على أحلام الرؤى الملفقة بأزهى وشاح ؟ أتركين هانئة في دنيا ازدهاء وصفاء ؟ وبوحنا قد أظلم بفقد أمنا ، تلك التي كانت تدرأ عنا أشباح الخوف والوحدة ، فتضمنا بوحي امومتها ، إلى عوالم خفية يرتع فيها الأمن والهناء ، وتلك التي كانت تذرف الدموع إن مرضنا وتعيش على الشوق ان غبنا ، وتهتز ضلوعها بالغبطة إن نجحنا ، وتبسم جوارحها بالضياء إن هنئنا ، وهي اليوم في قبرها .. وحيدة .. ساكنة .. راقدة .
ونحن هنا وحدنا غريبات ترتعش قلوبنا باللوعة ، وتمشي في نفوسنا أجنحة اليأس ، فهل تقوين يا ذات الجناح الكسير إن تحلقي في أجواء النسور ، وترتفعي في سماء الكواسر فلا يأخذ منك خوف ؟ ولا يسعى لروحك يأس ؟
وغدنا يا أخت عمري ، ألا تخافين غدنا ؟
ونحن هنا في مبيعة صبانا ، تتكسر قلوبنا على القبر الرهيف ، الذي ضم في ثناياه أثمن ما وهب الوجود ، ونزعه الموت نزعاً .
أتأمنين الغد ؟ وليس لنا في الحياة سوى أب ملتاع ، يخفي عميق أناته ،
ويداري بسماتنا الشاحبة ، بكلماته المترعة حباً ، وإشاراته المملوءة عطفاً ، فيحز ألمه في قلوبنا فوق ألمنا ، وتبكي أرواحنا لحزنه فوق حزننا ، وننظر ملهوفات إلى لمحاته الأليمة ، نفتش فيها عن لمحات أمنا ، وعن معانيها الحبيبة الضائعة ..
أتأمنين الغد ؟ وليس لنا من يدرأ شر الناس ، ولا أنانية أهوائهم عن نفوسنا المعذبة ، فقد مضت إلى أبديتها تلك التي كانت تقارب بين الناس وبيننا وتساوي بين مراميهم ومرامينا ، وتشرح لنا سبل حياتنا في ظلال واديهم ، فلا نركن إلى وجل ، ولا ننزع الى يأس ...
ورفعت اختي وجهها ، فهالني الخوف ازدحم في عيونها ، وتدافع الى وجنتيها ، وجنت روحي التي اخافتها داخل ضلوعي ، واحسست بقلبي يتكسر على تعذيب اليتيمة الفتية ، فنهضت أعانقها ، وأذيب ما انبثق من آلامي في ألمها ..
وقلت لها يا اختي ، ايتها السادرة في عالم صباك بحزن كثيف ؟ ألا تشرق نفسك بالامل ؟ ذاك الذي صاغته يد الرب بأزهى خلق ، فهو اثيل الشعاع الملون ، وند الياسمين بهجة ولوناً ؟
أتخافين الغد ؟ وللامل منهل حي ترتوي منه حياتنا في كل حين ، وتسعد به احلام فتوتنا مهما لج بنا العمر ، او قست علينا الحياة !
أتخافين الغد ، أم يروعك الموت ؟
وهذا العالم الفسيح لا تبنيه الاعجاب الفناء ، ولا تريد رفعته غير انياب الموت .. ونحن نمشي في دنيانا ، على اشلاء الاجيال ، لنبني صرح الخلود للنفوس المطلة على شرفة الحياة ، مثلما تشارك امنا في نزع اشلائها الحبيبة لذرات التراب التي تمتصها الزهور والورود ، لتنحدر الى عيون الشعاع بريقاً ملوناً ، وصفاءً عجيباً .
أتخيفك الموت ؟ وفي قلوبنا الانسانية قسوة النسيان ؟
وهاك القبور امامنا ، فسائليها كم من العيون اليوم تبكيها ؟ وكم من القلوب المنهمة تناديها ؟ ثم سائلي الزمن غداً عنها ؟ فهل غيره يبريء سقمها ، ويخفف غزارتها . ويضحك منا ومنها . !


