نحن والأزمة الاقتصادية
تجتاح لبنان ، هذه الآونة ، أزمة اقتصادية مستحكمة : فمن تزايد في حالات العطل عن العمل ، إلى افلاس بعض التجار ، إلى ركود عام في مختلف نواحي الحياة ...
ولا بد ان لهذا الخلل في التوازن الاقتصادي اسبابه الرئيسية ، وعلى رجال الاقتصاد وحدهم البحث والتنقيب عنها . والذي يهمنا الآن ، هو اثر هذا الخلل في جهازنا الاجتماعي عموماً ، والعائلي منه بصورة خاصة ... ما هي عواقبه على العائلة اللبنانية ؟ هل ستجابه مشكلة جديدة من نوعها تضطرها للتنازل عن بعض حقوقها وتخفيض مستوى معيشتها ؟ هل ستستفحل أزمة الزواج عندنا فتتضاءل نسبة المتزوجين شيئاً فشيئاً ، وتعاني العائلة قحطاً في تجديد النسل ، ويصيب المرأة من الحيف ضعف ما يصيب الرجل ؟
من الوضوح بمكان ان علاج الموقف الراهن هو فوق مستطاع المرأة ، او قد يقال بانه ليس من شأنها ، غير ان بمقدورها التخفيف من حدة هذه الازمة ومداورة الامور ، والاحتيال عليها بشيء من الحكمة والجلد ، ريثما تتحلل الازمة وتزول - ولا بد لكل أزمة من زوال ، متى قُيّض لها من ينعش اقتصادياتها ، ويوقد حطبها ناراً ، وذلك بتأسيس المشاريع العمرانية والصناعية والزراعية ، ومضاعفة النشاط وبالتالي الايدي العاملة .
الى ان تعي الهيئات العامة والخاصة واجبها الوطني حيال الظروف الحاضرة ، يتحتم على المرأة ان تقوم بدور الممرضة ، التي تقدم الاسعاف الاولى ريثما يحضر الطبيب ويداوي العلة .
والطريقة العملية لذلك هي دراسة ضافية عن ميزانية العائلة ومعرفة « اين » ، « وكيف » يمكن خفض النفقات خمسين او ثلاثين في المئة ، دون التأثير على متطلبات العيش الاساسية - اقول « الاساسية » لان العائلة اللبنانية ، من حيث نسق معيشتها ، مرفّهة فوق معدل دخلها بكثير - وقد يكون هذا الواقع من الاسباب الاولية التي جرّت الى هذه الازمة ومن الفضيلة الرجوع عنه .
نحن في لبنان لم نعد نفرّق بسهولة بين ضروريات العيش وكمالياته ، ام لعلنا بتنا اشدّ تعلّقاً بالكماليات : فروحاتنا الى « السينما » والى « شم الهوا » منتظمة ، وخزائننا مكدسة بالحرائر والالوان ، وعائلاتنا ، حتى دون المتوسطة منها ، تعتمد على الخدم في معظم اشغالها المنزلية ، مغفلة الفرق الشاسع في المصروف بين بيت تديره الخادم وبيت تديره ربته ...
وفي التقاليد ، ما نزال عبيد التقاليد : كأن فرضاً واجباً في مواسم الاعياد ، ارهاق الجيوب بالاستعدادات والولائم - ولائم للاجساد كلها اسراف وبذخ ، نترك في ميزانيتنا ثغرات كبيرة جوفاء يعجز عن سدّها الوفر الشهري ...
وكأن فرضاً واجباً في اعراسنا التقيد بجميع المقدمات والمؤخرات التي تمشّت عليها جداتنا السالفات ، والتي تتنافى وبساطة هذا العصر العملي ، وتقف حجر عثرة في طريق الكثير من اعراسنا !
واية أزمة تضاهي أزمة الزواج ؟ واية ويلات اخلاقية ونفسية تجرّ على العائلة ، عدا ما يتأتى عنها آخر الامر من تناقص في المواليد ومن تقلص الامة شأناً بين سائر الامم .
لا يجوز بعد اليوم ان نقف مكتوفات الايدي حيال مشاكلنا الطارئة ، اياً كان نوعها ، كأن الامر لا يعنينا . وقد آن لنا كمواطنات مارسن حقهن السياسي ، ان نتفهم مسؤوليتنا بكاملها ، لئلا ندان ، ونُتّهم بالتقصير والطيش ...
وهذه الازمة الاقتصادية التي نحن بصددها ، من الخير التأهب لها ومعاونة الرجل على حلها .

