

... لنا ...
قال الفارس الملثّم ، وهو يمتطي صهوة جواده الأدهم :
- فاتني يا عمي الشيخ ... فاتني أن أخبرك ... لقد قتل أبو الفهد ! ...
- أبو الفهد ؟! ... ماذا تقول ؟! ...
- أمس ... في وضح النهار ... على قارعة الطريق ... برصاصة واحدة من فم هذا المسدس ! ...
قال هذا ، وقد هز بيده مسدساً أخرجه من حزامه ، وقهقه قهقهة مكبوتة ماتت في طلق ناري رجعته الوادي ، ثم زمّ عباءته ، وهمز جواده ، وانطلق يسابق الريح ...
ونظر الشيخ إلى زوجه العجوز نظرة حائرة فيها استفهام وفيها استغراب وقال :
- ومن يكون هذا الملثّم ؟! ... وفيم يعرج علينا في بكرة هذا الصباح ؟! ... الأجل شربة ماء ؟! إنني لا أفهم !
ولكن أم حسني كانت ما تزال واجمة ، ترسل عينيها الكليلتين فلا ترى غير ثورة غبار تخمد وتخمد ، وترسل أذنيها الثقيلتين فلا تسمع غير وقع حوافر يخفت ويخفت ، حتى إذا خمد كل شيء وخفت كل شيء ، أجابت وكأنها تفيق من غيبوبة أو تستعيد ذكرى :
- مثل حلم ... هكذا كنت أرى ... مثل حلم يتفسّر ! ...
أما حسني فكان في اضطراب ،
وكان في هدوء ، تبدو له هذه الحيرة في عيني أبيه الحائرتين ، ويلوح له هذا الوجوم في وجه أمه المتجعد ، وقد غاب في عينيه مثل تلك الحيرة ، وطفا على وجهه مثل ذاك الوجوم ، وكُبت في

أعماقه ما ثار من بؤس وخيبة وحرمان ، فمدّ سمعه لهذه الريح التي بدأت تهبّ ، ومد بصره لهذه الغيوم التي أخذت تتراكض ، وودّ لو قال شيئاً ، ولكنه لم يدرِ ماذا يقول ، بل تحوّل عن أمه وأبيه شطر الكوخ ، فأعدّ النير والمحراث والفدّان ، وراح يهبط الربوة إلى الوادي .
★
وسرت على حوادر الربوة ظلال باهتة ، وشاعت في حنايا الوادي أصوات خافتة ، وقد بدأ الصبح يتنفس ، وأخذ المحراث يشق الأرض ، وراحت الذكريات الماربة تعبث بخواطر حسني كما تعبث الريح بهذه الغيوم ، فتنتثر وتتبعثر إذا انتثرت وتبعثرت ، ثم تتسابق وتتلاحق إذا تسابقت وتلاحقت ، حتى
لكأن هذه الغيوم التي تتلبد في الجو كثيفة دكناء هي هذه الهموم التي تنعقد على الجبين ثقيلة سوداء ، قد تركت في العين شيئاً من الاستغراب وتركت على الشفة شيئاً من الاستفهام ، فكأن حسني يذكر هذا الرجل الملثّم ، يذكر صوته القرير وعينيه السوداوين ، ولكنه لا يدري فيمَ يمر صباحاً بالحي ، ولا يدري ما هو من أبي الفهد ، ومن الفهد ، ومن أخت الفهد - هذه الصبية السمراء ، رفيقة الطفولة ، وعشيرة الصبا ، ريحانة الوادي التي لا تبرح القلب يقظة من نهار ولا تبرح القلب هجعة من ليل ، ريحانة الوادي التي ما تزال ذكراها ترف على الوادي وتحوّم وتهفّ ، حتى لكأن الزمان يقف ، والعمر يعود القهقرى ، إلى الهنيهات الأخيرة ، حين جثت عند قدمي أبيها مستعطفة باكية :
- خلّني يا أبي في الوادي .. خلّني ..
فصاح ذلك الأب في وجهها غاضباً :
- خسئت يا عائبة ... يا أخت العائب ... إنك تاركة هذا القفر ، شئت أم أبيت ... ثم جرّها من شعرها ، ولسانه ما ينفك يقذف الشتائم ، وهي تتلوى بين قبضتيه وتئنّ ، وفي عينيها لفتة صوب الربوع ، وعلى شفتيها هتاف بأهل الحي ...
وحاول حسني أن يطرد هذه الذكريات الراجعة ، فأخذ يتلهى بهذين الثورين يستسلمان للنير ، وهذا المحراث يشق الأرض ، وهذه التربة تنفرج عن الجانبين ، فيطيب للخوار يملأ أذنيه ، ويسكن للتربة الناعمة تملأ عينيه ، ويلين للرائحة الذكية الفائحة تملأ أنفه ... ثم تطوف برأسه الخواطر : ففي هذا المساء ينتهي من الحراثة ، وفي صباح الغد يباشر العمل : هذه الضفة سيزرعها الخيار والقثاء ؛ وهناك ، على كتف الربوة ، سيغرس البرتقال والليمون ؛ وفوق ،